مقابلة مطولة مع الشيخ عمر محمود عثمان الشهير بـ"أبو قتادة الفلسطيني"، يلقي فيها الضوء على معلومات تنشر لأول مرة قد تفسر التناقض في المعلومات الواردة عنه في مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام.

محمد النجار-عمان

ربما يمكن تلخيص العقود الستة من حياة الشيخ عمر محمود عثمان الشهير بـ"أبو قتادة الفلسطيني" بأنها تحوّل من التدين الصوفي التقليدي في صفوف جماعة التبليغ والدعوة إلى التأسيس والتنظير للتيار السلفي الجهادي، الذي بات رقما صعبا في المواجهة مع النظام الدولي الجديد وحلفائه في المنطقة العربية.

في بيته المستأجر في عمان، ووسط تدخلات قطة باتت محببة إليه يسميها "سلمى"، روى أبو قتادة للجزيرة نت سيرة حياته التي لم يروها من قبل لأي جهة إعلامية أو غيرها، وهو ما يفسر التناقضات التي تتناقلها مواقع عبر فضاء الإنترنت لحياة الشيخ الذي قضى الأعوام الثلاث عشر الأخيرة في السجون، منها 12 عاما في السجون البريطانية، إضافة لسنة وشهرين في السجون الأردنية، ليحصل في النهاية على حكم بالبراءة من محكمة أمن الدولة الأردنية عن تهم طالما لاحقته.

ولد عمر محمود عثمان محمد أبو عمر في مدينة بيت ساحور في الضفة الغربية يوم 13 ديسمبر/كانون الأول 1960، وتعود أصوله إلى قرية دير الشيخ قضاء القدس، وهي مسقط رأس والده، والتي قال إن أهلها هجّروا منها عام النكبة الفلسطينية 1948، وأمه اسمها عائشة وهي من قرية خربة اللوز أصلا، وهو الابن الثاني لعائلته.

عاش أبو قتادة في بيت ساحور ثلاث سنوات، قبل أن ينتقل مع عائلته إلى العاصمة الأردنية عمان، بعد أن رحل إليها عمه الوحيد وأخواله، وسكنوا منطقة رأس العين وسط عمان القديمة، وكان والده في ذلك الوقت يسافر للعمل في الكويت حتى عاد منها عام 1965 وفتح مطعما في المنطقة التي تعرف حاليا باسم ساحة النخيل.

درس أبو قتادة في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الدولية (أونروا)، ويقول "تفتحت عيناي على الحرف في مدرسة تقع في آخر منطقة جبل النظيف، وبقيت فيها حتى الصف الرابع، ثم انتقلت إلى مدرسة في حي نزال، وأذكر هنا أن أكثر معلم أثر فيّ كان نايف مسودة رحمه الله تعالى، الذي علمني لذة النظر إلى الكلمة والتأمل في جرسها".

في المرحلة الثانوية انتقل للدراسة في مدرسة حي نزال الحكومية، ومنها حصل على شهادة الثانوية العامة.

أول كتاب استمتع به هو كتاب كليلة ودمنة، وأول كتاب اشتراه بمبلغ خمسة قروش هو رواية الشيخ والبحر لآرنست همنغواي

صحبة الكتاب
يتحدث أبو قتادة باستفاضة عن علاقته المبكرة بالمطالعة والقراءة، لدرجة أنه يقول إنه ابن الكتاب، فيروي كيف بدأ رحلة المطالعة من الصف الرابع الابتدائي، فقرأ دواوين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وكان مولعا بقصص الأدب العالمي، ويقول إن أول كتاب استمتع به هو كتاب كليلة ودمنة، وأن أول كتاب اشتراه بمبلغ خمسة قروش هو رواية الشيخ والبحر لآرنست همنغواي، الذي يقول إن قصته لا تزال تؤثر فيه حتى اليوم.

يروي أبو قتادة رحلته مع كتب طه حسين، الذي يرى أنه كان المفتاح الذي عرفه "على أستاذي الذي لم أره وهو مصطفى صادق الرافعي وعلى كتبه".

ويتابع "لو سئلت من ربّاني لقلت إن شيخي الكتاب، وهذا لا يعني أنني لم أقابل الشيوخ، أنا ابن الكتاب وهو الذي رباني وعلمني، بل إن بداية التزامي بالصلاة كانت عن طريق كتاب وحي القلم للرافعي، عندما تأثرت بقصة مالك بن دينار وتوبته، وما زال الأستاذ الرافعي يعيش في داخلي ويؤثر علي في حياتي وأحداثها حتى اليوم".

في الصف الأول الثانوي (العاشر حاليا)، تعرف أبو قتادة على جماعة التبليغ والدعوة، وبدأ بالخروج معها على طريقتها التقليدية، وكانت أول مرة يخرج فيها وعمره 16 عاما، وهناك يقول إن رحلته بدأت مع أهله الذين خافوا عليه أن يتأثر تحصيله العلمي كونه الأول دائما على صفوفه نتيجة هذا الالتحاق.

بعد أن أنهى مرحلة التوجيهي عام 1979، خرج أبو قتادة مع جماعة التبليغ إلى باكستان ومكث فيها أربعة شهور، ويقول "تعلمت من جماعة التبليغ والخروج معها كيف يهتم الداعية بنفسه، وضرورة إصلاحها قبل أن يصلح الآخرين، وتعلمت التواضع، وأعتقد أنني تأثرت ولا أزال بمسيرتي مع جماعة التبليغ التي أكن لكثير من أفرادها حبّا أبويا".

وبالعودة لعلاقته بالكتاب، يتحدث كيف تعرف خلال وجوده بجماعة التبليغ على من يسميه "شيخ الإسلام الثاني وهو ابن القيم، الذي تعرفت من خلال كتبه على شيخ الإسلام وشيخي ابن تيمية".

يرى أبو قتادة أن لقب عميد الأدب العربي قد يكون أكثر دقة إن أعطي للرافعي

التبليغ والإخوان والسلفية
التحق أبو قتادة بكلية الشريعة في الجامعة الأردنية، التي تخرج منها عام 1983، وفي تلك المرحلة يقول إنه تعمّق بالتعرف على ابن تيمية من خلال كتبه، ويضيف أبو قتادة "الحقيقة أنه بهرني، وهنا أؤكد حقيقة أنني عندما قرأت لطه حسين وكنت أردد ما يقوله الناس إنه عميد الأدب العربي، ثم قرأت للرافعي قلت إن هذا من يحق له أن يكون عميد الأدب العربي، فهجرت طه حسين لأصبح رافعيا إن صح التعبير، وعندما قرأت لابن تيمية تصاغر لدي ابن القيم رحمه الله، وهذه حقيقة انطباعاتي الشخصية وليس بسبب عمق علمي سابق".

في كلية الشريعة بدأت رحلة أبي قتادة في نقد جماعة التبليغ، التي يقول إنه أخذ عليها نقدها للعلم، واعتبارها أن المرء إذا تعلم ينفلت من الجماعة، لدرجة أن بعض شيوخها يسمي ذلك "فتنة التعلم"، والجماعة في هذا تقلد مشايخها في الهند تقليدا تاما، رغم أن الجماعة كانت تقدمني في الدروس والبيانات باعتباري شابا متفتحا.

ويشير إلى أنه عاش في صراع ذاتي في ذلك الوقت وحوار ذاتي وعميق بين الصوفية القادمة من سوريا شمالا، والسلفية القادمة من الجزيرة العربية جنوبا، فكنت أتوسع بالقراءة للأشاعرة وكتب ابن تيمية، وأذكر أنني قرأت أغلب الكتب التي تتحاور حول السلفية والصوفية، وأُصبت بحيرة، خرجت منها بالدعاء وذهبت للعمرة وعدت منها مطمئنا لاتباع منهج ابن تيمية مع قدرة علمية على محاورة وجدال المخالفين والخصوم، وقد عرفت بهذا في أوساط علمية متعددة.

وأضاف بالقول "أنا إذا ولدت من خلال الحرف مع مصطفى صادق الرافعي، فإن ولادتي الثانية كانت مع شيخ الإسلام ابن تيمية".

ويرى أبو قتادة أن أول صدماته في الجامعة كانت جماعة الإخوان المسلمين، التي قال إنها كانت تهيمن على كلية الشريعة في ذلك الوقت، وإنه قلما وجد دكتورا لا ينتمي للجماعة أو ليس مقربا منها، وإنه كان تحت الضغط للانتساب للإخوان.

ويتابع "ما منعني من دخول الجماعة أمور، منها أن عقليتي قد صيغت تبليغية فاهتمامي كان بالدعوة للتدين أكثر من الجانب السياسي".

ويذهب أبو قتادة إلى أنه لم يتأثر في ذلك الوقت كثيرا بأساتذة كلية الشريعة، لكنه يذكر هنا تأثره بالدكتور أحمد نوفل، الذي يقول إنه تأثر بأسلوبه الجذاب، كما تأثر بالدكتور عبد الله عزام الذي درّسه مادة علوم القرآن.

ويدافع أبو قتادة عن أهمية التحاق الطالب بالجامعة لنيل الشهادة على عكس رؤية كثير من مشايخ السلفية التقليدية، ويرى أن ذلك يدفع الإنسان للحصول على شهادة أصبحت جزءا مهما من نسبه، والأمر الثاني أن الانسان في الجامعة يتفتح ذهنه، "كما أن جلوس الطالب لتلقي العلم على يد أستاذ يعطي معنى التواضع، والحقيقة أن السلفيين ممن لم يجلسوا هذا المجلس يعانون من الغرور والترفع أن يكونوا تلاميذ".

وعن تحوله للمنهج السلفي، يقول أبو قتادة إن ذلك لم يكن تأثرا بالشيوخ المعاصرين، وإنما تأثرا بالصراع الفكري من خلال الكتب وانحيازه أخيرا لمنهج شيخ الإسلام ابن تيمية.

ويشر إلى أنه خلال هذه الفترة طاف على كل من يعرفه من مشايخ الصوفية، وأنه حاورهم في مساجدهم، وبدأ يُعرف من وقتها بـ"عمر السلفي"، ويقول "الحقيقة أن أمثالي في الأردن عانوا من عدم وجود مشايخ سلفيين لديهم رؤية وإجابات عن الأسئلة الكبرى، ومنهم محمد شقرة وناصر الدين الألباني، فلم تكن لدينا أي السلفيين إجابات عن أسئلة مشروعية التنظيم والبيعة للإمام المجهول، والعلاقة مع الحاكم والانتخابات البرلمانية، وفي حواراتي مع أغلب من عرفوا بأنهم مشايخ السلفية وقتها لم أجد منهم من يحرم أصل الانتخابات بل كانوا يقولون بعدم جدواها".

المحكمة الأردنية برأت أبا قتادة من تهم الدعم المعنوي لجماعات إرهابية (الجزيرة)
الإفتاء العسكري
عام 1983 بدأت مرحلة جديدة في حياة أبي قتادة، حيث كان مخيرا إما بالالتحاق بالخدمة الإلزامية في الجيش لعامين مما سيدفعه لحلق لحيته والانصياع للانضباط العسكري، وإما بالالتحاق بالإفتاء العسكري لمدة أربعة أعوام، فاختار الثانية.

ويتحدث عن هذه المرحلة بالقول "تعرفت في تلك المرحلة على شيخي الافتاء العسكري في الأردن وهما نوح القضاة وعلي الفقير، ولم يكن بيني وبينهما ود ولا اتفاق، وكنت على خلاف معهما في المنهج، فهم كانوا شافعية مقلدون وأشاعرة العقيدة، ورغم أنه لم يكن هناك أي امتزاج بيني وبين الشيخ نوح الذي أكنّ له كل الاحترام، فإنني كنت على خلاف دائم مع علي الفقير، وهنا بدأت معالم كتابي الأول هو "الرد الأثري المفيد على البيجوري في شرح جوهر التوحيد"، والرد جاء على كتاب البيجوري الذي كان مطلوبا للامتحان به في الافتاء العسكري، ولا أقول إنه كتاب عميق ولكنه كان بداية التفتح وتشكل المنهج بالنسبة لي".

ويتابع "قاسيت خلال هذه السنوات، ونقلت لأقصى الأماكن، وفي إحداها رحلت للسجن العسكري إماما، وهذه كانت فترة مفيدة لي لأنني تحاورت خلالها مع البعثيين والمنتسبين للتنظيمات الفلسطينية، وكثير منهم ولله الحمد تأثر بمحاوراتي والتزم الصلاة وبعضهم ترك انتماءاته الحزبية، وخلال فترة الافتاء تزوجت من زوجتي التي رزقت منها ولدان وثلاث بنات".

من السلفية التقليدية للجهادية
بعد انتهائه من الخدمة العسكرية، عمل أبو قتادة في تحقيق بعض الكتب لصالح دار القلم لمدة عامين، ويعلق "لم أجد الأمر تحقيقا علميا حقيقيا بل كان أشبه بعمل الوراقين"، وعملت بعدها إماما لمسجد لفتا في عمان مدة ستة أشهر، وفي هذه السنوات بدأت رحلتي في التحول من السلفية الساكنة والتقليدية، وبدأت تظهر معالم سلفية لها قول في السياسة والعمل التنظيمي، وهذا لم يكن يعجب التيار الذي يقوده الشيخ الألباني وقتها والمعروف باسم "السلفية العلمية"، وبدأ هنا الفصام والمناكفات مع هذا التيار.

أنشأت مع مجموعة من الإخوة في ذلك الوقت مجلة ورقية صغيرة اسمها المنار، كنت أكتبها أنا ويطبعها حسن أبو هنية، وبدأ وقتها العمل السياسي المفتوح في وقت عودة الانتخابات البرلمانية للأردن، وهذا كان أيضا وقت ظهور جبهة الإنقاذ في الجزائر، والتي أحدثت زلزالا في حقل العمل الإسلامي.

كان الناس في الأردن وقتها أجمعوا على إمامة صدام وإدانة السعودية لاستقدامها القوات الأميركية، وكان موقفي وقتها لا يعجب غالبية الناس، فكنت أدعو لطريق ثالث يرفض تأييد صدام على فعلته كما أرفض فعل السعودية

مغادرة الأردن
في عام 1990 كانت مرحلة يصفها أبو قتادة بـ"المهمة في حياته"، عندما احتلت القوات العراقية الكويت، ويقول "كان الناس في الأردن وقتها أجمعوا على إمامة صدام وإدانة السعودية لاستقدامها القوات الأميركية، وكان موقفي وقتها لا يعجب غالبية الناس، فكنت أدعو لطريق ثالث يرفض تأييد صدام على فعلته أو أنه لا يمثل الإسلام أو اعتباره إماما، كما أدين استقدام السعودية للقوات الغربية وأن ذلك لا يمثل الإسلام أيضا، وتعرضت وقتها لمحاولات الضرب ومقاطعة خطبي والشتم".

وزاد "انتهت هذه المرحلة بيقيني بضرورة وجود التنظيم من أجل العمل الإسلامي وكانت بداية تشكل السلفية الجهادية عندي".

ويلفت أبو قتادة إلى أنه غادر الأردن عام 1991 بعد نصيحة بعض المقربين منه بضرورة مغادرة الأردن لأنها مرحلة استنفدت، فسافر إلى ماليزيا، ومكث هناك عند الجماعة الإسلامية وكان أميرها في ذلك الوقت الشيخ عبد الحليم (أميرها اليوم هو الشيخ أبو بكر باعشير).

مكث أبو قتادة في ماليزيا ثلاثة شهور، أعطى خلالها المنتسبين للجماعة دورات شرعية، وكان ينوي دراسة الماجستير والدكتوراه، ولكن غلاء المعيشة حال بينه وبين ذلك.

بيشاور والجهاد الأفغاني
انتقل أبو قتادة في العام ذاته (1991) إلى بيشاور في باكستان، والتي كانت قبلة الجهاد الأفغاني وقتها، والتحقت به عائلته هناك، فدرس الماجستير في لاهور، وبدأ رحلة جديدة من العمل.

ويقول إنه طلب أن يتفرغ للتدريس في مدرسة دينية، ويشير إلى أنه ذهب لدورة شرعية فيها عدد من الطلبة الليبيين الذين انخرطوا لاحقا في الجماعة الإسلامية المقاتلة، فدرستهم الفقه والأصول والتوحيد، وأنهيت الدورة بعد ستة شهور وتبعها مزيد من الدورات لجماعات كثيرة من دول عدة، وكان أحد الحضور في إحداها الشيخ أبو حفص المصري.

يتحدث أبو قتادة عن لقائه في تلك المرحلة بشخصيات كثيرة منها الدكتور أيمن الظواهري وسامي الساعدي (أبو المنذر) وغيرهما الكثير، وتعرفت على إخوة كثر من الجزيرة العربية واليمن والجزائر وغيرهم، وأقل علاقة لي كانت مع أهل الشام.

وينفي أبو قتادة أي دور له بالعمل الجهادي أو العسكري خلال تلك الفترة، ويقول "كان دوري في بيشاور علميا تثقيفيا ولم يكن جماهيريا ولا عسكريا، وكنت مهتما ببناء القواعد العلمية وصناعة الفرد، ولم أزر أفغانستان إلا مرات قليلة، ومنها زيارتي لنورستان التي كانت أول منطقة تتحرر في أفغانستان، وجلست مع أميرها محمد فاضل، وهو رجل فاضل كاسمه، وتحاورت معهم".

مرحلة من التضييق على العرب في بيشاور بدأت بعد سقوط العاصمة الأفغانية كابل بيد الفصائل الأفغانية، حيث بدأت مرحلة ملاحقتهم في الشوارع

الخروج من بيشاور
يقول أبو قتادة إن مرحلة من التضييق على العرب في بيشاور بدأت بعد سقوط العاصمة الأفغانية كابل بيد الفصائل الأفغانية، حيث بدأت مرحلة ملاحقتهم في الشوارع، وتعرض عدد منهم لمحاولات اعتقال في الشارع، لكن ما كان يشفع له دائما أن معه ورقة تثبت أنه كان يدرس في جامعة العلوم التقنية لفترة من الوقت.

في تلك الفترة -يقول أبو قتادة- بدأ الجميع يعودون لبلادهم، وعاد الأردنيون واعتقلوا وحوكموا، والكل عاد إلا من لا يحمل أوراقا أو يشعر بالخطر لعودته كالمصريين الذين لا ملاذ لهم، وفكرت في الخروج من بيشاور، وكان القرار بالتوجه لبريطانيا باعتبارها الأوسع والأقرب لقوة الإعلام والنشاط ووجود حاضنة مسلمة هناك.

وعن طريقة خروجه يقول "تحصلت على جواز سفر (لم يذكر نوعه) وتوجهت للمالديف ومنها إلى لندن، وما أن وصلت هناك حتى طلبت اللجوء السياسي، الذي حصلت عليه بعد تسعة أشهر فقط وهذه مدة قصيرة هناك، والسبب أنني أثبت شخصيتي ودرجتي العلمية وكنت أحمل كل أوراقي العلمية، وهو ما أفادني".

مرحلة "الأربع ريشات"
سكن أبو قتادة في البداية في بولتون شمال مانشستر لمدة ستة شهور، ثم انتقل إلى لندن، وكان أول أعماله الجماهيرية أن فتح بيته يوم الجمعة لخطبة وصلاة الجمعة وكان يحضرها 25 شخصا تقريبا.

ويبرر ذلك بالقول إنه سار على قاعدة وهي أن لا ينافس أحدا في مكانه، لذا كان يرفض أن ينافس أي جهة في مساجدها، لا المنتدى الإسلامي ولا غيره من المراكز.

بعد خطب عدة في بيته، انتقل أبو قتادة لصالة "فور فيثرز" (الريش الأربع) في لندن التي استأجرها شبان مسلمون لغايات صلاة الجمعة عام 1993، وهو الاسم الذي اشتهر في دوائر المخابرات. ويذكر أبو قتادة أنه لم يتخلف عن الصلاة هناك في أي خطبة جمعة من وقتها حتى بدء ملاحقته عام 2002، عوضا عن عمل الدورات الشرعية يومي السبت والأحد.

ويلفت هنا إلى واحدة من أهم ما ميّز مرحلة لندن في حياته وهي إعطاؤه لـ"دورة الإيمان" التي انتشرت وقتها انتشارا كبيرا، وكان لها تأثير كبير على أتباع التيار السلفي الجهادي حول العالم، ويعلق أبو قتادة "لا أعرف أحدا دخل في التيار الجهادي وفهمه علميا إلا استمع لأشرطتها بعد أن فرغت وانتشرت في كل البلاد العربية والأجنبية".

ويستطرد هنا بالقول "أذكر أنني في الأردن وبيشاور كنت لا أقبل تسجيل أي حديث لي، ولكن في بريطانيا أصر أبو عياض أمير جماعة أنصار الشريعة في تونس لاحقا على تسجيل هذه الدورات صوتا وصورة".

"كما أذكر أنني لم أتجول في لندن التي لا أعرف معالمها حقيقة، لأن تنقلي كان مقتصرا بين هذه القاعة وبيتي".

أيدت الجماعة الجزائرية المسلحة قبل أن يدخل فيها الغلو ويفسدها كما يحدث الآن من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا

دعم "الجهاد" الجزائري
خلال هذه الفترة يقول أبو قتادة إنه تعرف على الجزائريين، وصدرت وقتها نشرتهم "الأنصار"، التي وصل عددها إلى مائة عدد بالتمام والكمال، و"كانت تنصر الجهاد في الجزائر وتسمى بين منهجين، وجمعها أحد الشباب في كتاب سمي الجهاد والاجتهاد".

ويؤكد أنه في هذه المرحلة كان داعما لـ"الجهاد الجزائري، وأيدت الجماعة الجزائرية المسلحة قبل أن يدخل فيها الغلو ويفسدها كما يحدث الآن من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا".

وزاد "أيدت الجماعة الإسلامية المقاتلة بفعل تزكيات الجماعات الإسلامية المجاهدة ومنها الليبية، ولكن عندما انحرفت هذه الجماعة وسيطر عليها أصحاب الغلو، أصدرت مع بعض الأخوة بيانات في البراءة منها عام 1997، وهذه فترة ورثت فيها مرض السكري، ولا يزال البعض يلاحقني باتهامات باطلة أتركها في صحيفتهم عندما يسألون عنها أمام الله".

ويضيف "تعرضت لاتهامات باطلة لا أرد عليها لأن مطلقيها الآن إما موتى وإما في السجون، وأنا لن أرد على من في السجون".

ويشير إلى أن هذه الفترة "فتحت علينا عيون المخابرات، وانتقال صورة بيشاور إلى لندن، من حيث اللحى واللباس وخاصة بعد تعرض فرنسا لسلسة تفجيرات من قبل الجماعات الجزائرية، حتى إن بعض الصحف الفرنسية باتت تسمي لندن بأنها لندنستان، ولكنها فترة كانت مهمة في نشر التدين والفكر والوقوف أمام جماعات قوية تقليدية لها تاريخها وتمويلها، واستطعنا أن ننشئ تيارا جديدا مساندا للجهاد في الشيشان وأفغانستان والجزائر، وأنا حرصت على أن لا يكون لي أي دور بالعمل المادي بل في العمل الفكري والدعوي فقط". 

أمير القاعدة وممثل ابن لادن بأوروبا
ينفي أبو قتادة ما أطلق عليه من ألقاب في الإعلام الغربي، فيقول "ليس صحيحا إطلاق لقب أمير القاعدة وممثل ابن لادن علي في أوروبا، لأن القاعدة في بيشاور كانت أصلا مكانا لتجميع الشباب القادم للجهاد في أفغانستان، ثم فتتها الشيخ أسامة بن لادن، وانفك من بيعة الكثيرين ممن بايعوه وقتها، وهؤلاء أسسوا جماعات في بلادهم، وعندما انتقل إلى السودان لم يكن معه إلا قلة قليلة كان أكثرها من المعنيين بالعمل في أفريقيا، ولم يكن هناك التزام بإمارة ابن لادن في الشيشان أو أفغانستان أو الجزائر وغيرها".

بعد تفجيرات الجزائريين في فرنسا بدأت مرحلة التضييق الأولى على أبي قتادة، حيث تم التحقيق معه مرات عدة قبل أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، خاصة بعد أن أصبح هناك نشاط للمخابرات الفرنسية في لندن، والتي كانت تراقبه -كما يقول- ومارست ضغوطا على السلطات البريطانية لوقف خطبه ودروسه في صالة فور فيثرز، ونجحت الضغوط بعد أن اعتذر صاحب القاعة عن إكمال عقده معنا بعد تسع سنوات كاملة من العمل في قاعته.

السلطات البريطانية ضيقت على أبي قتادة بعد هجمات 11 سبتمبر (الفرنسية)

13 عاما
يتحدث أبو قتادة عن بدء التضييق الفعلي عليه بعد أحداث سبتمبر/أيلول التي يقول إنها غيرت وجه العالم ومنها لندن، وقال "تم وضع القانون السيئ الذكر عام 2001 الذي يمنح بريطانيا حق سجن أي شخص ومحاكمته بالأدلة السرية، وسمي هذا القانون بقانون أبي قتادة، ولم تتمكن بريطانيا من إثبات أي تهمة ضدي، وأصر الشباب على أن أختفي، واختفيت داخل بريطانيا عشرة شهور، وحاولت فعلا أن أخرج من بريطانيا ولم أفلح".

وأردف "بعدها عرفت أن لا جدوى من الاختفاء خاصة أن المعركة كانت ستطول، ولم أتمكن من مغادرة بريطانيا، والأمر الثالث كانت المسؤولية كبيرة على الإخوة الذين أتنقل في بيوتهم، والشيء الرابع كان التهم التي رددتها الصحف الأميركية والفرنسية بأن المخابرات البريطانية هي من يخفيني، فصرت أتحرك تحركات مكشوفة وخاصة عبر البيانات على شبكة الإنترنت، إلى أن تم اعتقالي عندما حضر الأمن ذات ليلة وكسر باب البيت الذي كنت فيه وتم اعتقالي".

ويختم أبو قتادة "مكثت في رحلة الاعتقال والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مدة 12 عاما، وأخيرا جئت للأردن بعد مذكرة قضائية أردنية بريطانية في يوليو/تموز 2013 واعتقلت مدة ٢٦ شهرا أعيدت خلالها محاكمتي بقضيتي الإصلاح والتحدي والألفية اللتين حكم علي غيابيا فيهما بالسجن، وصدرت قرارات برائتي في سبتمبر/أيلول من العام الجاري 2014".

المصدر : الجزيرة