احترام الجيش إلى حد التبجيل لا يعني القبول بتورطه في شؤون الحكم.. بهذا صدحت ميادين واغادوغو الغاضبة من الاستبداد والرافضة لإلباس الثورة عباءة الانقلاب. وبينما تتفهم الأحزاب الغبن الذي طال الكثير من الضباط تصر على إبعادهم عن القصور وعودتهم للثكنات.

أحمد الأمين-واغادوغو

لا يستسيغ سكان واغادوغو وصف ما حدث في بلادهم بالانقلاب، ويصرون أنه ثورة شعبية بكل المقاييس دفع البوركينابيون ثمن نجاحها من دمائهم وأرواحهم، للتخلص من الاستبداد والانتقال نحو الديمقراطية التعددية.

حساسية البوركينابيين من وصف ثورتهم بالانقلاب ربما تجد مبررها في تاريخ هذا البلد المثقل بالانقلابات الدموية والبيضاء، فمنذ استقلالها عن فرنسا عرفت بوركينافاسو ثمانية تغييرات بالقوة كان الجيش الفاعل الحقيقي فيها.

أول هذه التغييرات كان عام 1966 حين تدخل الجيش وأطاح بنظام الرئيس المدني الأول موريس مايا موغو عقب احتجاجات شعبية قادتها النقابات العمالية، وكان آخرها حتى الآن سقوط نظام بليز كومباوري بعد الاحتجاجات الشعبية وتدخل الجيش.

وبين الأول والأخير قواسم مشتركة وسلسلة من الانقلابات تتقارب زمانيا أحيانا بشكل ملفت (1983 انقلابان في أقل من ثلاثة أشهر) وينقلب فيها الصديق على صديقه، ويقتل الرفاق بعضهم بعضا.

تاريخ المؤسسة العسكرية في بوركينافاسو اصطبغ بالسياسة وبات الجيش رديف السلطة وربما التسلط، الأمر الذي ألقى بظلاله على صورته في أذهان البوركينابيين، وخلق نوعا من الحساسية تجاهه والريبة في نواياه.

العقيد المتقاعد وتارا لونا أكد أن
كومباوري ضيع هيبة الجيش (الجزيرة نت)

إرادة الشعب
وبحكم الحساسية والتوجس والتجربة الطويلة مع حكم العسكر، فقد رفض البوركينابيون تولي الجيش مقاليد الحكم بعد رحيل كومباري وقاوموا إعلان قائده الجنرال أونوريه تراوري، وتمسكوا بمقاومتهم لتولي المقدم يعقوب إسحاق زيدا تسيير المرحلة الانتقالية، حتى وافق على تولي مدني رئاسة البلاد خلال المسار الانتقالي.

لكن حساسية البوركينابيين من الجيش يقابلها احترامه، وإجماعهم على رفض حكمه يقابله إجماع آخر على أهمية دوره في الحياة العامة إذا ظل بعيدا عن السياسة، وفقا لتعبير العقيد المتقاعد وتارا لونا.

ويؤكد لونا في حديث للجزيرة نت أن "الشعب البوركينابي اعتز دائما بجيشه، لكن انجرار بعض القادة إلى السياسة وتسخيرهم الجيش لحماية حكمهم أضر بسمعته، وهز صورته العامة في أذهان الناس، خاصة خلال العقدين الأخيرين".

سنغارا ساليف: رفْض الحكم العسكري
محل إجماع من البوركينابيين (الجزيرة نت)

هيبة الجيش
ويعتبر لونا أن كومباوري ضيع هيبة الجيش وقضى على القيم العسكرية فيه وعرض وحدته للخطر، "وبات لدينا جيشان أحدهما جيد التسليح لكن مهمته منحصرة في حمايته الشخصية وحماية بيته، وجيش آخر لا يمتلك السلاح ويتعرض ضباطه للإهانة والتهميش لمجرد أنهم لا يتملقون".

غير أن العقيد المتقاعد يشدد على أن ذلك لا يعني أن الجيش منقسم أو معرض للانقسام، فما شهدته البلاد في الأيام الأخيرة قد يؤشر على أن هناك تفاوتا في تقدير الموقف بين بعض الضباط، وأكبر دليل على ذلك بقاء قائد الأركان في منصبه وتسليمه بتولي زيدا مسؤولية الحكم.

ويتفق رئيس الجمعية البوركينابية للعلوم السياسية سنغارا ساليف مع العقيد لونا بشأن مكانة الجيش لدى المواطن البسيط، فهو يعتقد أنه لا يزال يحظى بالاحترام من طرف البوركينابيين باعتباره مؤسسة تتولى مهمة نبيلة تتمثل في الدفاع عن الحوزة الترابية للبلاد.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن هذا الاحترام لا يعني أن البوركينابيين يحبذون ممارسة الجيش للحكم وإقحامه في السياسة، بل هم اليوم أكثر رفضا لذلك من أي وقت مضى بعد تجربة طويلة مع حكم العسكر كانت معظم محطاتها مريرة.

ويميل ساليف إلى القول بأن تصرفات كومباوري مع الجيش خلال حكمه لا بد أن تكون خلفت جروحا نفسية لدى كبار الضباط، "فحين يتولى عقيد مسؤولية تفتيش القوات المسلحة وقائدها الذي هو برتبة جنرال، وحين تتم ترقية الضباط على أساس الولاء والمحسوبية، فلا بد أن يسبب ذلك تذمرا".

لكنه ينبه إلى أن العسكريين قد لا يعبرون عن غضبهم بطريقة المدنيين، "والسكوت ليس بالضرورة دليلا على الرضى".

المصدر : الجزيرة