بعد أكثر من ستة عقود على احتلال فلسطين، أصبحت معركة استعادتها أكثر تعقيدا خاصة في ظل انعدام الخيار العسكري، الأمر الذي تداعى له علماء مسلمون وناشطون ومفكرون دعوا الشعوب العربية والإسلامية لاستيعاب متطلبات القضية العربية والإسلامية المركزية، فلسطين.

خليل مبروك-إسطنبول

أجمعت شخصيات سياسية ورجال دين ومفكرون من عدد من الدول العربية والإسلامية على ضرورة التحرك الفاعل من قبل المجتمعات الإسلامية وتلاحمها مع الهبات الفلسطينية المتكررة لوضع حد للانتهاكات الإسرائيلية المتصاعدة في مدينة القدس المحتلة.

واعتبرت النخب المشاركة في المنتدى التاسع لهيئة علماء فلسطين في الخارج الثورات المضادة للربيع العربي من أبرز الانتكاسات التي تعرض لها مشروع حماية القدس والدفاع عن هويتها العربية والإسلامية.

كما رأى المشاركون في المنتدى -الذي عقد في مدينة إسطنبول التركية تحت عنوان "بيت المقدس والمسجد الأقصى بين التهديدات والواجبات"- أن على الشعوب العربية أن تتخلص من قيود الأنظمة التي تحول بينها وبين تحقيق أهدافها في تحرير فلسطين، وفق ما قالوا.

عطون قال إن إسرائيل تمارس ضغوطا على المقدسيين لدفعهم للرحيل (الجزيرة)

خطط إسرائيلية
واستعرض الناشط المقدسي محمود عطون في حديث للجزيرة نت الخطوات الإسرائيلية على الأرض لتهويد المدينة المقدسة، قائلا إنها تجاوزت حدود التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

وأوضح عطون -الذي أطلق سراحه من السجون الإسرائيلية إلى تركيا في صفقة إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في أكتوبر/تشرين الأول 2011- أن إسرائيل تلاحق المقدسيين في كافة مناحي حياتهم لدفعهم للرحيل عن مدينتهم وإحلال المستوطنين اليهود في مكانهم.

وحذر الناشط المقدسي من تبعات الاقتحامات الإسرائيلية المتواصلة للمسجد الأقصى المبارك وطرد "المرابطين" وطلبة العلم من داخله، مشيراً إلى أن المقدسيين قدموا الكثير من المبادرات والمشاريع التي ترسخ وجودهم في القدس وتحافظ على بقائهم على أرضهم.

وكان المنتدى قد شهد تقديم أوراق عمل وبحوث في خمسة محاور شملت المكانة التاريخية والإسراتيجية للقدس والعلاقة بين الحروب الصليبية والحروب "الصهيونية المعاصرة" والتهديدات والتحديات التي تواجه القدس ومشاريع المقدسيين للصمود في مدينتهم ودور الأمة العربية والإسلامية في دعم صمودهم.

حكومات (عربية وإسلامية) ستفقد مبررات بقائها إذا ما وقفت في وجه الاحتلال لأنها وجدت أصلا لحمايته

مسؤولية أمة
ويتزامن انعقاد المنتدى مع حراك شعبي تركي واسع رفضا للتصعيد الإسرائيلي في القدس، حيث شهدت مدينة إسطنبول يوم الجمعة الماضي مظاهرة أمام القنصلية الإسرائيلية ووقفة طلابية حاشدة في جامعة إسطنبول بعنوان "طلاب لأجل الأقصى"، فيما شاركت جموع غفيرة في مسيرة شهدها ميدان تقسيم الليلة الماضية بعنوان "نصرة للأقصى".

وأعاد رئيس رابطة علماء أهل السنة عبد الوهاب أكنجي مسؤولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك إلى حِجر الشعوب في العالم الإسلامي التي قال أن "عليها أن تحدد موقفها من حكامها وقادتها بناء على دورهم في هذا الملف".

وأشار أكنجي -في حديث للجزيرة نت- إلى أن الأنظمة الحاكمة في كثير من الدول الإسلامية تربط وجودها باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، موضحا أن "هذه الحكومات ستفقد مبررات بقائها إذا ما وقفت في وجه الاحتلال لأنها وجدت أصلا لحمايته".

كما دعا المفكر التركي الثورات العربية إلى تقديم مكانة القدس والمسجد الأقصى في سلم أولوياتها، رغم تزاحم أجندتها بالقضايا القُطرية المحلية التي "هبت الثورات من واقعها أصلاً".

أما الدكتور عبد الفتاح العويسي، فدعا إلى فهم حركة التاريخ كأساس لبناء الآليات التي يتطلبها العمل للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك وحمايته من الاعتداءات الإسرائيلية المرتبطة وجودياً بالاحتلال.

وقال أستاذ العلاقات الدولية ومؤسس "الحقل المعرفي لبيت المقدس" إنه لا يمكن واقعيا تحرير القدس من داخل فلسطين، مبيناً أن الأمر يتطلب تكامل الأدوار بين الفلسطينيين في وطنهم والأمة العربية والإسلامية خارجه.

وأوضح العويسي للجزيرة نت أن أهل الداخل الفلسطيني يقومون بدورهم في الحفاظ على مقاومة وجود الاحتلال، مطالبا أنصار القضية الفلسطينية خارج فلسطين بـ"إعداد العدة لتحرير القدس على كافة المستويات المعرفية والسياسية والعسكرية".

وأشار الأكاديمي الفلسطيني إلى أن الفلسطينيين في الداخل يقومون بدورهم رغم ما يواجهون من مصاعب تحول دون وصول "هبّاتهم الثورية" إلى مبتغاها، معتبرا الحصار الدولي والعربي على غزة والتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية من أهم العقبات في وجه تلك الهبّات.

أما على الصعيد الخارجي فأكد العويسي أن على الشعوب العربية والإسلامية أن تتخلص من الأنظمة التي تستميت في إبعادها عن معركتها مع الاحتلال الإسرائيلي، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة