بين ثورتي تونس وبوركينافاسو أوجه شبه لا تخطئها العين، فكلتاهما فجرها الشباب ومضت لغاياتها رغم تجاهل العالم. وبينما يؤكد بوركينيون استلهامهم ثورة الياسمين، يرى مراقبون أن ما حدث في واغادوغو بداية لربيع أسمر قد يغير دولا عديدة بالقارة السمراء.

أحمد الأمين-واغادوغو

لم يحرق البوركينيون أنفسهم كما فعل البوعزيزي في تونس حين فاضت كأس الإهانات، ولكنهم حرقوا أعصاب بليز كومباوري وتاريخا من الحكم الفردي المغلف بدُمى الديمقراطية. أراد كومباوري تعديل دستور كان فصّله على مقاسه من قبل فخرج البوركينيون عن هدوئهم المعهود.

صبر مواطنو بوركينافاسو لكنهم ثاروا، واستلهموا التجربة التونسية، كما اقتفى كومباوري أثر زين العابدين بن علي في الهروب من البلاد.

ردة فعل البوركينيين لم تلفت انتباه الكثيرين في البداية، لكن قوة إرادتهم وسرعة تهاوي النظام فاجأت العالم، فاسترجع ذهوله الذي صاحب نجاح الثورة التونسية، وحين أدرك كومباورى أن الأرض تهتز تحت قدميه، سحب تعديل الدستور وردد عبارة بن علي المشهورة "لقد فهمتكم".

لكن البوركينيين على ما يبدو كانوا قد حسموا أمرهم وقرروا التخلص من حكمه، فواصلوا مسار ثورتهم التي يحلو لكثيرين منهم تسميتها "الربيع الأسمر".

البوركينيون لا يخفون تأثرهم بالربيع العربي وإعجابهم بالتجربة التونسية تحديدا، ويؤكدون أنهم استلهموا الكثير من قيمها، ويقدمون الكثير من أوجه الشبه بين كومباوري وبن علي.

ويقول كام جي أورفى رئيس منظمة "Balai Citoyen" التي كان لها دور حاسم في تنظيم وقيادة الانتفاضة التي أطاحت بكومباوري، إن "نموذج الثورة التونسية كان حاضرا في بوركينافاسو وقد تأثر شبابنا بالشباب التونسي وبأدائه في ثورته التي شكلت بداية الربيع العربي".

جي أورفى: الثورة التونسية ألهمت شباب بوركينافاسو (الجزيرة نت)

نقاط التلاقي
ويضيف أورفى في حديث للجزيرة نت أن هناك العديد من نقاط التلاقي بين التجربتين، فكلتاهما رد فعل جماهيري استطاع فرض إرادة الشعب والتخلص من حكم ديكتاتوري تمسك بالسلطة أكثر من ربع قرن، وهما فعل شبابي واع استقطب الجماهير ودفعها لتجاوز سلبيتها والتخلص من الخوف.

ورغم هذا التشابه، فإن أورفى يعتقد أن الثورة التونسية كانت أكثر عفوية من ثورة بوركينافاسو التي سبقها جهد تأطيري ركز على توعية بسطاء الناس بخطورة السلبية في التعاطي مع الشأن العام، ودعوتهم لمساندة التغيير الذي يحقق طموحاتهم ويضمن المستقبل لأبنائهم، مما "جعل الشارع يلتف حولنا بسرعة حين تحركنا".

ويضيف أن هذا الملمح أنتج ميزة أخرى للثورة البوركينية هي مشاركة الأحزاب السياسية فيها وإسهامها في إعطائها زخما إعلاميا "مكن من إيصال رسالتنا إلى العالم ورفضنا المطلق استمرار الحكم الفردي والتلاعب بالدستور والقوانين".

وتطرح مشاركة الأحزاب السياسية البوركينية في الثورة إلى جانب الشباب تساؤلا بشأن مدى إمكانية الحيلولة دون ركوبها الموجة والالتفاف على مطالب الشباب، خاصة من طرف أحزاب المعارضة الرئيسية التي تحاول تصدر مشهد ما بعد كومباوري.

وتتكون المعارضة الممثلة في البرلمان المنحل من خمسة أحزاب رئيسية لديها 27 عضوا، من أبرزها الاتحاد من أجل التغيير الذي يرأسه زعيم المعارضة زافيري ديبري، والحزب السانكري بزعامة بنى ويندي سانكارا، والحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة إبراهيم كوني، والحركة الشعبية من أجل التقدم بقيادة روك كابوري.

قادة أحزاب المعارضة أكدوا حرصهم على التنسيق مع قوى الشباب (الجزيرة نت)

تنسيق وتفاعل
وتؤكد هذه الأحزاب حرصها على التعاطي مع الشباب وهيئات المجتمع المدني. ويقول رئيس الكتلة البرلمانية للمعارضة في البرلمان المنحل كوني إبراهيم إن "الشباب لعب دورا محوريا في هذه الثورة، وأحزاب المعارضة متمسكة بالتنسيق والتفاعل معه حتى تحقيق مطالب البوركينيين، وسنظل حريصين على تماسك قوى الثورة بكل مكوناتها".

ويجمع العارفون بالشأن البوركيني على أن الأحزاب ليس باستطاعتها تحقيق مكاسب حقيقية بمعزل عن بقية قوى الثورة.

ويقول رئيس تحرير صحيفة الحدث البوركينية نوكو أحمد إن الأحزاب بحاجة إلى القوى الحية، كما أن الشباب وهيئات المجتمع المدني بحاجة إلى ناظم يمتلك الإطار اللازم للعمل السياسي".

ويضيف في حديث للجزيرة نت أن تماسك قوى الثورة ضروري لتحقيق مكاسبها، كما أن انسجامها مع المؤسسة العسكرية ضروري لحفظ أمن البلاد، وتجنب تجربة شمال مالي.

وعند تحقيق هذا الانسجام سيكون ما حدث في بوركينافاسو انطلاقا لربيع أسمر يمكن أن يغير وجه هذه المنطقة من القارة الأفريقية، أما إذا فشلت هذه الثورة فسيشكل ذلك انتكاسة لا يتمناها أي طرف من الأطراف، وفق نوكو أحمد.

المصدر : الجزيرة