كثر الحديث مؤخرا في الشارع الفلسطيني عن خيار المقاومة الشعبية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، نظرا للظروف الأمنية والسياسية فيها، وحول هذا الموضوع نشر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات دراسة تقدير إستراتيجي تبحث العوامل الدافعة والمثبطة لهذا الخيار.

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات -ومقره بيروت- تقديره الإستراتيجي (73) بعنوان "آفاق المقاومة الشعبية في الضفة الغربية"، والذي يدرس فيه خيارات الشعب الفلسطيني باللجوء للمقاومة السلمية الشعبية كرديف للمقاومة المسلحة وليس بديلا عنها.

وتعرف الدراسة مصطلح المقاومة الشعبية "بالتبني الشعبي الواسع والانخراط المباشر لمختلف فئات الشعب في المواجهة المباشرة مع المحتل بمختلف الوسائل، والمشاركة الفاعلة لهم في تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية".

وتركز الدراسة على محاولة تشخيص العوامل الموضوعية الدافعة للمقاومة الشعبية، أو تلك المثبطة، ومن ثم الخروج بسيناريوهات محتملة وتوصيات.

مظاهرة لناشطين فلسطينيين ينادون بالمقاومة الشعبية للاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)

العوامل الدافعة
ومن العوامل الدافعة لانطلاق المقاومة الشعبية في الضفة الغربية حسب تقدير الدراسة، الثورات الجماهيرية العربية، أو ما اصطلح عليه بـ"الربيع العربي"، الذي أعاد ومنذ عام 2010 حضور مفهوم قوة الشعب، ودور الجماهير في تغيير الواقع.

وكذلك فإن حرب غزة 2014، أنشأت حالة مفارقة بين "مجتمعين" و"سلطتين" و"واقعين" يعتمدان على رؤيتين للمشروع الوطني، نجح المقاوم منهما في تحقيق إنجازات عجز عنها المجتمع المتعاون مع الاحتلال.

وترى الدراسة أن اعتداءات المستوطنين وتغول الاستيطان عززا حالة الشعور بالحاجة للمواجهة والحماية الذاتية لدى جمهور الفلسطينيين. كما أن التهويد المتواصل للقدس وحالة المواجهة المستمرة في المدينة المقدسة يستفزان مشاعر المواطنين تجاه الحالة القائمة.

ويؤشر تواصل العمليات العسكرية الفردية التي شهدت سنتا 2013 و2014 تصاعداً كبيراً إلى حالة مقاومة كامنة تعوق الظروف الحالية تعبيرها عن ذاتها، لكنها قابلة للتطور، فضلا عن الحصار الذي تعيشه الضفة من "إسرائيل" والحدود مع الأردن بما يمنع قيام مقاومة مسلحة يجعل المقاومة الشعبية أكثر إمكانية.

وعلى الصعيد الفصائلي، فهناك اتفاق شكلي على المقاومة الشعبية، التي اتفق عليها بين فتح وحماس في اتفاق مكة سنة 2007، والتي تبنتها حركة فتح في مؤتمرها السادس في بيت لحم سنة 2009.

العوامل المثبطة
أما عن العوامل الموضوعية المثبطة لقيام هذا اللون من المقاومة في الضفة الغربية فترى الدراسة أن:
اتفاق أوسلو نجح على مدى سنوات تطبيقه في إعادة "قولبة" القيادة الفلسطينية وتعريفها للـ"مصالح الوطنية"، فهي تصنف كل ما يؤثر على كينونة وبقاء السلطة "خطراً"، والمقاومة المسلحة أو الانتفاضة الشعبية من هذا المنطلق تصبح جرماً.

كما أن التنسيق الأمني مع الاحتلال هو المظهر الأبرز لعمل السلطة، التي تعتبر استمرار الدعم الدولي لها والحفاظ على مؤسساتها هو الأهم، وبالتالي تصبح كل أشكال المقاومة للاحتلال جرما.

أما عملية التخدير الاقتصادي الممارس على الضفة الغربية بنت نمطاً استهلاكياً بعيدا عن الإنتاج، مما يجعل التفكير في عمل مقاوم أو خارج إطار موافقة السلطات ضرباً من المخاطرة المذلة.

وكذلك فإن الانقسام السياسي وتشوه مفهوم المقاومة الشعبية في ظل ثنائية المقاومة المسلحة في مواجهة المقاومة السلمية واللاعنفية، يسلبان المقاومة الشعبية قيمتها في وجدان الشارع الفلسطيني.

تصدي الشبان الفلسطينيين لقوات الاحتلال مستمرة في قرى الضفة الغربية (الجزيرة)

سيناريوهات المستقبل
وفي ظلّ هذه الحالة، تحصر الدراسة الاحتمالات الممكنة لتطور المقاومة الشعبية في الضفة الغربية في احتمالات ثلاثة: الأول هو استمرار نشوء حالة مقاومة شعبية فعالة وامتدادها في الأراضي المحتلة عام 1948، والثاني استمرار حالات المقاومة الفردية وعجزها عن التحول لحالة شعبية حيوية مستمرة، والثالث هو تجدد حالة الهدوء في الضفة لسنوات بخلق حالة استقرار اقتصادي.

وترجح الدراسة تحقق السيناريو الأول إن توفرت إرادة القوى والتيارات على تأسيس هذه المقاومة، وإلا فسنشهد السيناريو الثاني وتستبعد حصول السيناريو الثالث.

وتوصي الدراسة أصحاب إستراتيجية المقاومة بتبني خيار المقاومة الشعبية لأنها تحظى بالقبول والشرعية السياسية وقادرة على التغلب على حالة التنسيق الأمني. وذلك يتطلب إعادة تركيز الخطاب على المشروع الوطني الفلسطيني وعلى التحرر كهدف نهائي له، بعيداً عن مثيرات "العصبية" الفصائلية.

وتوصي بدعم المقاومة الشعبية -دون إغفال حصة المقاومة المسلحة- باعتبارها قابلة للانتشار الشعبي ولا تتطلب عملاً تنظيمياً مغلقاً ومعقداً، واستعادة أشكال العصيان المدني.

وتدعو إلى تأسيس اقتصاد شعبي قائم على إعادة التوجه لأدوات الإنتاج الزراعي والحرفي، والدفع باتجاه إعادة تأسيس دائرة اقتصاد فلسطيني داخلي، والدفع لتأسيس إطار أو أطر مناطقية جامعة وعابرة للفصائل.

المصدر : مركز الزيتونة للدراسات