أثار قرار رجب طيب أردوغان بالانتقال لقصر رئاسي جديد وترك القصر الذي سكنه أتاتورك ومن خلفه من الرؤساء الأتراك، موجة من الجدل بين مؤيد ومعارض، بين مؤيد يصف الخطوة بأنها تكريم للشعب التركي ومعارض يرى فيها تكريس لشخص أردوغان.

وسيمة بن صالح-أنقرة

على خلاف نظرائه السابقين، كسر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بروتوكولا اتبعه الرؤساء الأتراك لعقود طويلة، وقرر ترك القصر الجمهوري الذي شغله مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك رمز الدولة التركية العلمانية التي تأسست في عشرينيات القرن العشرين عقب انهيار الدولة العثمانية.

اختار أردوغان الانتقال للإقامة في قصر رئاسي جديد، وعقد العزم على ترك قصر ''تشانكايا'' الذي كان منذ تأسيس الجمهورية مقر إقامة رؤساء الجمهورية التركية.

وقد أثار هذا القرار زوبعة من الانتقادات بين صفوف المعارضة التركية، التي اتهمت أردوغان بانتهاك للقوانين وتبذير أموال الشعب ''لبناء سلطة لنفسه''، والسعي لحياة البذخ والرفاهية.

إلا أن مؤيدي الرئيس لهم رأي آخر مغاير، فهم يعتبرون القصر الرئاسي الجديد مفخرة للشعب التركي ورمز يعكس شعار "تركيا الجديدة" الذي رفعه أردوغان منذ كان رئيس وزراء وبعد انتخابه رئيسا للبلاد.

قصر تشانكايا الذي يرمز لحقبة حكم أتاتورك لتركيا (الجزيرة)

قصر تشانكايا
سمي قصر تشانكايا الرئاسي بهذا الاسم نسبة للمنطقة التي يقع فيها وسط العاصمة أنقرة. وهو مشيد على مساحة 1770 مترا مربعا، بناه تاجر أرمني من سكان أنقرة، واشترته بعد ذلك أسرة تركية غنية.

ومع انتقال مؤسس الجمهورية التركية أتاتورك للإقامة بأنقرة، قام مفتي المدينة آنذاك بجمع التبرعات من المواطنين لشراء هذا القصر وأهداه له. ويولي الأتاتوركيون قداسة خاصة لهذا القصر باعتباره أهم قلاعهم العلمانية.

تطلق وسائل الإعلام التركية على القصر الرئاسي الجديد عبارة "قصر العدالة والتنمية'' و''القصر الأبيض'' وهو يقع في أطراف مدينة أنقرة، ومشيد على مساحة 207 آلاف متر مربع.

يحمل القصر بصمات العمارة العثمانية والسلجوقية الجديدة، ويضم 1000 غرفة، وبلغت تكلفته مليار ليرة تركية و370 مليونا (ما يعادل 600 مليون دولار)، حسب تصريح وزير التنمية التركي جودت يلماز.

واتهمت المعارضة أردوغان بقطع مئات الأشجار لبناء قصر لنفسه على أراضي محمية خضراء، متجاوزا القانون، ومتجاهلا قرار إحدى المحاكم بأنقرة بإيقاف أعمال بناء القصر. كما اعتبرت صرف مثل ذلك المبلغ تبذيرا لأموال الشعب، خاصة مع وجود ملايين العاطلين في البلاد، حسب تصريحاتهم.

المعارضة تتهم أردوغان بالتبذير والبحث عن حياة البذخ لاختياره قصرا رئاسيا جديدا (الأوروبية)

قرار قضائي
وتساءل المحلل السياسي يونس أكبابا من مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والإجتماعية عن عدم سماع صوت المعارضة عندما كان القصر يعمر منذ العام 2011، وقبل إعلان أردوغان لترشحه لمنصب الرئاسة.

وقال للجزيرة نت إن ما تقوم به المعارضة حاليا لا يدخل ضمن الدفاع عن حقوق المواطنين، بل هو "مجرد دعايات مغرضة ضد شخصية أردوغان الذي يكنون له ولنجاحاته العداء الشديد" حسب تعبيره.

وأشار المتحدث أنه وبعد تعديل قانوني منذ عامين، أصبحت البلديات الكبرى في المدن هي المسؤولة عن إصدار تراخيص البناء. وأكد أن القصر الرئاسي الجديد حصل فعلا على رخصة البناء والإسكان. وأن القرار القضائي ألغي بطرق شرعية.

ويعتقد أكبابا أن جوهر الجدل لا يتعلق بتكلفة القصر أو ضخامته، بل يعود لرمزيته، لأنه يعكس فعلا صورة تركيا الجديدة. "لأن الإنتقال من قصر تشانكايا الذي يجسد إيديولوجية تركيا القديمة، يشير إلى أن أردوغان والحزب الحاكم عازمان على التخلص من الماضي بكل أخطائه وسنواته السوداء".

من جهة أخرى، يرى محمد يلماز-صاحب مقهى- أن إنشاء مثل ذلك القصر الفخم مع وجود أسر فقيرة بتركيا، يعتبر إسرافا.

وتابع متحدثا للجزيرة نت أنه لا جدوى من قصر رئاسي جديد مع وجود القصر الأصلي، واعتبر ما قام به أردوغان دليلا على رغبته في ''ترسيخ نفوذه و إبراز حظوته الخاصة في البلاد'' حسب تعبيره.

من داخل القصر الرئاسي الجديد (الجزيرة)

زوبعة مصطنعة
ورغم رأيه غير المؤيد لإقامة القصر الجديد، فإنه وصف موقف المعارضة "بغير المقبول"، لأنها بدل الدفاع فعلا عن حقوق المواطنين، أثارت زوبعة لتحقيق مآربها السياسية ضد الحزب الحاكم.

أما بايرام إزميرلي أوغلو-نائب مدير مدرسة ثانوية- فاتهم المعارضة بالسعي للنيل من الكاريزما الخاصة بشخصية أردوغان.

ونفى للجزيرة نت أن يكون هذا الأخير يطمع في حياة الرفاهية والبذخ. وحسب رأيه، فإن أردوغان وطوال 12 عاما كرئيس وزراء، عاش مع أسرته داخل شقة بمنطقة سكنية بسيطة بأنقرة مختلطا بالمواطنين.

ووصف القصر الرئاسي الجديد بأنه فخر للشعب التركي "الذي اختار رئيسه بشكل شرعي. وأن هذا الشعب يستحق مكانا يليق بإرادته ويتم من خلاله خدمة البلاد واستقبال ضيوفها باسمه"، حسب تعبيره.

يشار إلى أن أردوغان لا يمكنه الإقامة في القصر الرئاسي أكثر من ولايتين أي 10 سنوات، وأن القصر هو ملك للدولة.

المصدر : الجزيرة