بعد خمسة أيام من إسقاط الرئيس كومباوري بعد 25 عاما من الحكم، عاد الهدوء لواغادوغو عاصمة بوركينافاسو، وعاد المواطنون لرحلة البحث عن لقمة العيش، وقلوبهم وجلة على المرحلة الانتقالية التي وعد قائدها بأن تنتهي إلى حياة ديمقراطية بالبلاد.

أحمد الأمين-واغادوغو

الوقت كان مساء حينما حطت بنا طائرة الخطوط الجوية البوركينية في مطار واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو، بعد تأخرها أكثر من ساعتين عن موعد وصولها المفترض، بدت حركة الطيران بمدرج المطار طبيعية تماما كما هي حركة الركاب داخله.

لا شيء غير مألوف سوى موظف الصحة القابض على جهاز قياس درجة حرارة، يستقبل القادمين ويضغط على الزناد فتصدر تلك الرنة، ربما للتذكير بأن "الإيبولا" يبقى الخطر الأكبر في هذه المنطقة من العالم.

عند قسم التأشيرات بالمطار طلبنا تأشيرة للإقامة عشرة أيام، وحين عرفت موظفة القسم طبيعة مهمتنا الصحفية قالت "لستم بحاجة لأكثر من يوم واحد، فالوضع هنا طبيعي، لقد رحل بليز كومباوري وبقي البوركينيون".

العاصمة البوركينية بدا ليلها البارحة -حتى قبل بدء وقت حظر التجول- هادئا، رغم سقوط قتيل برصاص الجيش أمس (الأحد) أثناء تفريق مظاهرة اتهم العسكريون الجنرال المتقاعد كوامى لوغي باستغلالها ومحاولة الحديث عبر الإذاعة والتلفزيون.

البوركينيون الذين أرغموا بليز كومباورى على الرحيل بعد أكثر من ربع قرن من الحكم، بدوا في اليوم الخامس بعد رحيله منشغلين بهمومهم الحياتية، تنطلق أفواجهم باكرة، في رحلة للكد من أجل العيش رفيقهم الملازم فيها هو الدراجة.

ميدان الأمة في واغادوغو.. هل هي مجرد استراحة محارب؟ (الجزيرة)

روح الربيع العربي
"ميدان الأمة" الذي تحول إلى أيقونة الثورة الشبابية كما يحلو لبعض البوركينيين تسميتها، بدا خاليا إلا من آثار المظاهرات، وبعض الفتية يلتقطون صورا تذكارية به، وبدت ساحة السينمائيين القريبة منه نظيفة ومنضدة جدا.

لكن آثار الأحداث التي شهدها الأسبوع الماضي لا تزال ماثلة في بعض أحياء واغادوغو، حيث السيارات والمباني المحترقة، كما أن العنف الذي سبق رحيل كومباورى ترك بصماته الواضحة على المباني العمومية، ويحتفظ مبنى البرلمان ومباني التلفزيون العمومي بأوضح تلك البصمات وأكثرها دلالة ورمزية في مسار الأحداث.

انشغال البوركينيين برحلة الكد اليومية، تصاحبه هذه الأيام هموم رحلتهم إلى الديمقراطية، التي تشغل الطبقة السياسية و"الشباب الساعي لقطف ثمرة إنجازه ومنع العسكريين من الالتفاف على مكاسب الانتفاضة" حسب تعبير الشاب الجامعي "جون" الذي يعمل على سيارة أجرة.

وتبدو تجربة الربيع العربي حاضرة بشكل كبير في أذهان الشباب البوركيني الذي انتفض ضد كومباورى، ويقول جون إن "تجربة الربيع العربي أيقظت إحساس الشباب بأهمية وضرورة التغيير، فما حدث في تونس كان مهما ومحفزا".

ويضيف أن "هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الربيع العربي وما يحدث في بوركينافاسو، فكلاهما فعل شبابي يهدف إلى التغيير والتخلص من الديكتاتورية وحكم الفرد، ويسعى إلى تجسيد إرادة الشعب في الحرية والعيش الكريم".

هل يستطيع البوركينيون التخلص من مخلفات حكم كومباورى؟  (الجزيرة)

مرحلة انتقالية قلقة
ورغم أن انتفاضة البوركينيين -التي يفضلون تسميتها ثورة- استطاعت إرغام كومباورى على الرحيل، لا يزال القلق الشعور الأبرز في ظل غياب محددات واضحة لمسار "المرحلة الانتقالية" وتحديد جهة الإشراف عليها وتسييرها.

ويخشى الساسة البوركينيون من أن يكون ما حدث مجرد تغيير للكراسي بين أصحاب النياشين، ورقما آخر في سلسلة الانقلابات التي شهدها هذا البلد منذ استقلاله عن فرنسا سنة 1960، لذلك ما زالوا يرفضون تولي الجيش تسيير المرحلة الانتقالية، ويطالبون بأن يسيرها المدنيون.

في المقابل، يخشى بعض الشباب من محاولة الطبقة السياسية التقليدية ركوب موجة التغيير وتجييرها لصالحها"، خاصة أنهم يعدون هذه الطبقة جزءا لا يتجزأ من حكم كومباورى الذي ثاروا عليه ويرفضون عودته، سواء تجسد في الطبقة السياسية أو في العسكر.

لعبة شد الحبل هذه بين إرادة التغيير ومحاولة استنساخ الماضي والالتفاف على "إنجاز الانتفاضة" تبقي الشارع البوركيني محكوما بثنائية القلق من المستقبل، والأمل في غد تتحقق فيه كرامته وتصان حريته.

المصدر : الجزيرة