رياح التغيير طالت قصر قرطاج: قلعة الحكم المطلق السابق في تونس. كان الطريق إليه لا يعرفه إلا الرئيس وأسرته وحاشيته.الآن باتت قاعاته مفتوحة للمنظمات الأهلية والناشطين وتلاميذ المدارس حتى تحول إلى "قصر للشعب" تشاهد فيه أفلام عن جرائم الديكتاتوريات.

مصطفى البقالي-تونس

عندما أوقفنا سيارة الأجرة وسألنا السائق أن يوصلنا إلى قصر قرطاج بالعاصمة التونسية، قال ببساطة، "اصعدوا".
 
كلمة بسيطة اختزلت مشهد تونس ما بعد الثورة وما آلت إليه "قلعة الأسرار" التي كان الطريق إليها مفتوحا فقط بوجه الرئيس وضيوفه وحاشيته.

على امتداد الطريق لم يتوقف سائق سيارة الأجرة عن سرد حكايات الخوف التي كانت تحيط بالقصر وساكنيه.

إطلالة قصر قرطاج على البحر الأبيض المتوسط (الجزيرة)
رياح التغيير
"لم يكن متاحا للجميع المرور من هنا" يقول السائق الذي ناهز الـ60 من العمر، "بل لم يكن متاحا حتى الحديث عن القصر ولا عن الرئيس ولا عن أصهاره".
 
تغير المشهد إذن، وأصبح بإمكان الناس أن يتجولوا بحرية لا يفصلهم عن القصر سوى سوره وبعض حراسه. إنها رياح الثورة التي انطلقت من الشوارع ووصلت إلى القصر الجمهوري.

داخل القصر تلمس أثر هذه الرياح، فالقاعة الزرقاء التي كانت مكتبا للرئيس المخلوع "تحولت إلى قاعة لاستقبال منظمات المجتمع المدني.

دار للشعب
تقول محافظة قصر قرطاج للجزيرة نت نائلة محجوب "لقد فتح الرئيس المنصف المرزوقي القصر بوجه الشعب التونسي، واستقبل فيه جمعيات المجتمع المدني والناشطين وتلاميذ المدارس، حتى تحول القصر إلى دار للشعب".

ولقصر قرطاج قصة تستحق أن تروى، إذ كان في البدء بيتا للمقيم العام الفرنسي، قبل أن يقرر الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة تحويله إلى رمز لحكمه.

وتبعه في ذلك خلفه المخلوع زين العابدين بن علي، وقد شاءت الأقدار أن يخرج منه الأول بانقلاب أبيض، ويخرج منه الثاني بأمر الشعب، وها هو الآن يؤرخ للزمن التونسي الجديد.

قاعة بورقيبة في قصر قرطاج (الجزيرة)

هوية تونسية
بدأت عملية بناء هذا القصر عام 1959، واستمرت 10 أعوام، وكانت النتيجة قصرا يجتمع فيه الفسيفساء الأندلسي مع الزليج المغربي، مع لمسة فرنسية، وهوية تونسية واضحة.

والسر في هذا المزيج "حسب محافظة القصر" يعود لكون المهندس المعماري الذي صممه تونسيا يهوديا يسمى أوليفى كاليمان كاكوب، وقد استعان بحرفيين مغاربة بعثهم ملك المغرب للمساعدة في بناء القصر.

ويتكون القصر من جناح خاص للحياة اليومية للرئيس وأسرته، وجناح للحكم يشمل قاعات وأروقة مختلفة.

جريمة دولة
لكن أهم رواق هو رواق البايات الذي يضم صور كل البايات الذين حكموا تونس منذ العام 1705 وحتى الباي الأخير "الأمين باي" الذي قضى بقية حياته بالمنفى عقب إعلان الجمهورية التونسية عام 1957.

أما القاعات فتحمل صفاتها من أسمائها، فالقاعة الشرفية للاجتماعات الكبرى وتتسع لنحو 1000 شخص، والقاعة الذهبية مخصصة للاجتماعات الرسمية، وقاعة الوزراء وهي لاجتماع الرئيس مع الوزراء، وأخرى لاجتماعات الضيافة.

ما لا يعرفه الناس كثيرا، تقول محافظة القصر، أنه "يضم أيضا مسرحا، كان الحبيب بورقيبة يستعمله للحفلات الخاصة، واستعمله بن علي لعرض المسرحيات، بينما كان أول استعمال له في عهد المنصف المرزوقي لعرض فيلم "جريمة دولة" الذي يتحدث عن مقتل المعارض صالح بن يوسف".

تغير الوظيفة
ويقول محمد المسعي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية "منذ إنشاء القصر لم يتغير تصميمه أو شكله، لكن وظيفته تغيرت مع تغير ساكنيه، والفرق الجوهري أن مؤسسة رئاسة الجمهورية أصبحت خاضعة للقانون وتعمل بتناغم مع بقية أجهزة الدولة بعد أن كانت طيلة عقود فوق القانون وفوق كل مؤسسات الدولة".

وأضاف أن "الرئاسة دربت نفسها على العمل في إطار القانون بكل تفاصيله وإجراءاته، ولم تعد تختلف عن بقية مؤسسات الدولة إلا في حدود ما يكفله القانون نفسه.

إنها تضرب المثل في احترام القانون، وتلك قيمة جاءت بها الثورة، فلا فرق بين الرئيس والمواطن أمام القانون.

المصدر : الجزيرة