يبدو أن فقراء تونس فقدوا الثقة بالسياسة والسياسيين، وباتوا يركزون على لقمة تسد رمق أطفالهم دون الاكتراث لوعود سياسية بالرخاء والازدهار لا تسمن ولا تغني من جوع، فمنهم من خبر الانتخابات ولن يكرر المشاركة بها، وآخرون يرفضون حتى الحديث عنها.

مصطفى البقالي-تونس

خلف عربة لبيع الملابس المستعملة بحي التضامن في العاصمة التونسية تقضي فاطمة الورفلي سحابة يومها محاولة إقناع الزبائن بجودة بضاعتها وسعرها المناسب، في عقدها الخامس، ما زالت تخرج إلى السوق يوميا لإعالة أسرتها المكونة من أربعة أبناء عاطلين عن العمل.

ولا تبدي فاطمة حماسة تذكر للانتخابات الرئاسية المقبلة، تقول للجزيرة نت "التجربة علمتنا أن المرشحين يعدون ويخلفون"، وتطالب "برئيس رحيم بالضعفاء قريب من الفقراء". تتكرر هذه الكلمات كثيرا في هذا الحي الشعبي حيث يعيش أكثر من مليون من فقراء تونس ومهمشيها.

الحي الذي تأسس في تسعينيات القرن الماضي لاستيعاب موجات الهجرة القادمة من الأرياف والمدن الصغرى تحول بمرور السنوات إلى واحد من أكبر أحزمة الفقر بالعاصمة.

الورفلي: التجربة علمتنا أن المرشحين يعدون ويخلفون (الجزيرة)

وعود الخطوبة
انعكس هذا الجو على سير الحملة الانتخابية بالحي، فهنا لا ملصقات انتخابية، ولا تجمعات دعائية، فقط زيارات بين الفينة والأخرى لمرشحين يحاولون كسب ود الناس وأصواتهم.

يقول أحمد -ثلاثيني عاطل عن العمل- "إنهم يتعاملون مع الحي باعتباره خزانا للأصوات التي يمكن أن توصلهم إلى الحكم، لذلك يغدقون علينا الوعود، نحن نعرف أنهم لن ينفذوا شيئا منها"، مضيفا بسخرية "الأمر أشبه بوعود فترة الخطوبة".

يدفع هذا الغضب الجماعي كثرا لعدم المشاركة في الانتخابات، حيث لا يعدمون شواهد يدعمون بها موقفهم. صالح -بائع خضار في الحي حسم أمره "لن أصوت في الانتخابات الرئاسية"، مؤكدا للجزيرة نت أن "لا شيء تغير، فالمرشحون يريدون المناصب فقط لا مصلحة الناس، صوتت بانتخابات 2011 لكن لم أر تغييرا يذكر".

أما بائعة الخبز محرزية فاكتفت بالإشارة إلى الجانب الآخر من الشارع "انظر إلى الأزبال، انظر لحال أبنائنا العاطلين عن العمل، أين البلدية؟ وأين الدولة؟ وأين الوعود التي سبق تقديمها؟ لقد خذلونا".

"الخذلان" كلمة مفتاحية لفهم هواجس السكان وأسئلتهم، فالناس انتظروا تغييرا حقيقيا عقب الثورة، لكن سقف آمالهم كان أكبر من قدرة الدولة على الإنجاز، ثمة سبب آخر للإحباط يقول أحمد الماري -شاب جامعي من سكان الحي- يتمثل "بعودة رموز النظام السابق"، ويضيف أن الثورة قامت ضد نظام فاسد بأكمله، وليس ضد شخص واحد، وعودة رموز النظام السابق إلى المنافسة تؤدي إلى فقدان الأمل في صفوف قطاع عريض من الشباب.

بن حفيظ: الطبقات الشعبية تبدي اهتماما أقل بالسياسة مقارنة بالطبقات الوسطى (الجزيرة)

المال السياسي
وفي حي شعبي مثل حي التضامن لا يخفي الناس أن رائحة "المال السياسي" تشتم من بعيد، يقول خالد -تاجر في الثلاثينيات من عمره- "بعض المرشحين يدركون أن أملهم في الإقناع ضعيف فيلجؤون إلى بذل المال بطرق مباشرة أو غير مباشرة". ويبين كيف يلجأ بعض الشباب لـ"حيلة ذكية" وهي "أخذ المال، وعدم الذهاب إلى التصويت أو اختيار مرشح آخر".  

ولا يبدو هذا النفس الغاضب مخالفا لما هو متوقع بالنسبة للباحثين في العلوم الاجتماعية، يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية عبد الوهاب بن حفيظ إن "الطبقات الشعبية تبدي في العادة اهتماما أقل بالسياسة مقارنة بالطبقات الوسطى"، مستدلا بنسب المشاركة المتدنية في الانتخابات التشريعية بالمدن الداخلية على وجه الخصوص، وهي التي تشهد أكبر معدلات الفقر في البلاد.

ويتابع أن السياسة لم تتخلص بعد من استخدام المال في الأحياء الشعبية، وأضاف في حديثه للجزيرة نت أن الجانب الاجتماعي يمثل الحلقة الأضعف داخل البناء السياسي بما يجعل جمهور الأحياء الشعبية يتجه أكثر إلى "أسئلة غير سياسية" أي اجتماعية واقتصادية، مع ارتفاع في جرعة الاحتجاج العنيف.

لكن الإحباط لا يؤدي دائما إلى مقاطعة الانتخابات في هذا الحي كما في أحياء أخرى اسليم -ناشط في حملة أحد المرشحين- التقيناه وهو يبذل جهدا لإقناع رواد السوق المحلي بالتصويت لمرشحه يعدد مزاياه، ويحذر من مخاطر المقاطعة التي "ستمنح الفاسدين فرصة الوصول إلى مقعد الرئاسة". وهو في ذلك يصادف استجابة من البعض وإعراضا من آخرين.

وحدها نسب المشاركة يوم الانتخابات تحدد ما إذا كانت دعوة الناشط اسليم وأصدقائه قد آتت أكلها أم أن إغراء المقاطعة كان أقوى.

المصدر : الجزيرة