كثيرة هي التحليلات الإسرائيلية التي تُحذّر من خروج الوضع بالقدس عن السيطرة، وتؤكد أن جعل الصراع دينيًّا قد يهدد إسرائيل إستراتيجيا، وهناك من يطالب بوقف استفزاز المسلمين بالاقتحامات المتكررة للأقصى، في حين يرى آخرون الحل في الهجوم على القدس وقراها.

وديع عواودة-حيفا

تؤجج عمليات الفلسطينيين في القدس المحتلة جدلا قديما داخل إسرائيل بين المعارضة والأحزاب اليسارية وبين الحكومة ومعسكر اليمين، فالمعارضة تصر على حل الدولتين مقابل إستراتيجية معسكر اليمين الذي يُعول على القوة لإدارة الصراع، ولكن ما يجمع الطرفين هو الخوف من تحول الصراع من سياسي إلى ديني.

ومنذ تعثر المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، يحتدم هذا الجدل في إسرائيل بين الأحزاب المعارضة وبقايا معسكر اليسار التي تحذر من تحول إسرائيل إلى دولة فصل عنصري ثنائية القومية، دون إنجاز تسوية الدولتين، وبين الحكومة وقوى اليمين الزاعمة أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية.

واستغل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأنصاره عملية  الكنيس في القدس أمس لتجديد حملة شرسة على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، واعتبار أنه ليس شريكا واتهامه بالتحريض على العنف.

لكن رئيس الشاباك يوسي كوهن نفى -في اجتماع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست- ما ساقه نتنياهو ضد أبي مازن. واعتبر أن التحريض الفلسطيني هو أساس الصراع، وأن عمليات القدس تعكس حقيقة تحركاتهم ضد وجود إسرائيل.

 نفتالي بينيت:
أدعو إسرائيل إلى الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بغية إلحاق الهزيمة بالإرهاب، عبر حملة عسكرية في القدس وقراها على غرار حملة "الجدار الواقي" عام
2002

المزيد من القوة
وتبعه في ذلك وزير الاقتصاد، ورئيس حزب "البيت اليهودي" نفتالي بينيت الذي دعا إسرائيل إلى الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، بغية إلحاق الهزيمة بـ"الإرهاب"، عبر حملة عسكرية في القدس وقراها على غرار حملة "الجدار الواقي" عام 2002.

وقال بينيت لإذاعة الجيش، اليوم الأربعاء، إن عمليات القدس تدل على ضرورة التخلص من أوهام السلام، واعتبر أن كل البلاد تتبع للشعب اليهودي فقط.

ودعا إلى استخدام المزيد من القوة ضد الفلسطينيين، وتابع "هاجم الفلسطينيون اليهود في البلاد قبل احتلال 67 وقبل احتلال 48، لأنهم ببساطة راغبون في طردنا منها، والحل يكمن فقط في قوة الذراع".

على الضفة المقابلة، حمل رئيس المعارضة عضو الكنيست يتسحاق هرتسوغ  على نتنياهو، وقال إنه يستغل الدم المسفوك من أجل التهرب من تسوية الدولتين، ونوه إلى أن المستوطنين وقوى اليمين  يتحكمون في نتنياهو ويدفعون باتجاه "كارثة وطنية"، نتيجة زيارات استفزازية للأقصى والتهرب من السلام.

لعب بالنار
بدورها دعت رئيسة  حزب "ميرتس" المعارض زهافا غالؤون، نتنياهو إلى فصل تسيبي حوتوفلي نائبة وزير المواصلات وعضو الكنيست، بعد دعوتها إلى إقالة رئيس الشاباك يوسي كوهن لمجرد نفيه اتهام عباس بالتحريض على العنف.

وكبقية أوساط اليسار أوضحت غالؤون للجزيرة نت، أن حوتوفلي وبعض نواب اليمين بدلا من وقف التدهور في العلاقات مع الفلسطينيين، صبوا زيتا على "برميل البارود " في القدس، وذلك بزياراتهم الاستفزازية للحرم القدس الشريف.

وانضم عضو الكنيست عن حزب شاس، موشيه غفني إلى رئيسة حزب ميرتس في التحذير من "اللعب بالنار"، معتبرا أن زيارات اليهود للحرم القدسي تساهم في تحريض العالم كله ضد إسرائيل، وترفع وتيرة مواجهة المسلمين للإسرائيليين.

غلعاد: عباس يشارك في نشر "الأكاذيب الخطيرة" (الجزيرة)

بلقنة القدس
وفي حديث للإذاعة العامة، قال غفني إنه يشّد على يدي رئيس الشاباك الذي حذر مجددا من الزيارات الاستفزازية للحرم القدسي ومن صب الوقود على نار الصراع الذي من شأنه أن يهدد إسرائيل إستراتيجيا، إذا تحول الصراع إلى صراع ديني منسجما بذلك مع موقف وزير الأمن موشيه يعلون.

وفي تحليله اليوم، قال كبير المعلقين في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نحوم برنيع، إن إسرائيل تواصل إضاعتها فرصة لتسوية الصراع منذ رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.

ويتماهى مع برنيع، المحاضر في جامعة بار إيلان المختص بشؤون الصراع البروفسور مناحم كلاين، الذي قال للجزيرة نت إن عمليات القدس تدل على انهيار إستراتيجية نتنياهو بإدارة الصراع والمحافظة على الوضع الراهن والرهان على المزيد من القوة.

وعلى غرار برنيع يوضح كلاين أن إجراءات الاحتلال في القدس خطيرة ومن شأنها أن تصح كيدا مرتدا لأنها عقاب جماعي يزيد من الغضب ويعجل "الحرب الأهلية" وعملية "البلقنة" في القدس.

وتبنى كلاين تصريحات عاموس عوز أبرز أدباء إسرائيل الذي حذّر قبل شهر من أن فقدان تسوية يعني تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية ثم إلى دولة عربية. 

في المقابل يعتبر المعلق يوعيز هندل أن عمليات القدس تؤكد استحالة التسوية مع الفلسطينيين الذين لا يُسلمون بوجود إسرائيل ويقول إن اليهود تعرضوا إلى "مذابح"  مشابهة منذ مطلع القرن العشرين، أبرزها مذبحة الخليل عام 1929 .

ويبرر رئيس الجناح السياسي الأمني في وزارة الدفاع، الجنرال عاموس جلعاد موقف حكومة نتنياهو بقوله للإذاعة العامة اليوم الأربعاء، إن الرئيس محمود عباس يشارك في نشر "الأكاذيب الخطيرة"، لكنه اتفق مع المحذرين من تحويل الصراع إلى صراع ديني.

المصدر : الجزيرة