حاوره/خميس بن بريك-تونس

قال محافظ البنك المركزي السابق مصطفى كمال النابلي -أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري- إنه سيعمل على تأصيل مسار الانتقال الديمقراطي ودعم الحريات ومحاسبة رموز النظام السابق "الذين أجرموا في حق العباد والبلاد".

وفي حوار مع الجزيرة نت أكد النابلي أنه يضع على رأس أولويات عمله إن فاز بالرئاسيات تطوير الاستخبارات والقدرات الأمنية والعسكرية، لاستعادة الاستقرار الأمني من أجل إنعاش الاقتصاد، مشددا على أن لديه مواصفات للنهوض بأمن واقتصاد البلاد.

ونفى النابلي جميع الاتهامات التي وجهت إليه بأنه كان يلمع صورة النظام السابق خلال فترة عمله مع منظمات دولية مثل البنك الدولي، ورفض اتهامات بإعاقة حصول تونس على قروض والمساهمة في خفض التصنيف الائتماني للبلاد في ظل حكم الترويكا السابقة، وتاليا نص الحوار:

 عملت وزيرا للتخطيط في حكومة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في مطلع التسعينيات ثم تقلدت مناصب مهمة في مؤسسات عالمية مثل البنك الدولي، وبعد ذلك اتهمت بكتابة تقارير تشيد بنجاح النموذج الاقتصادي التونسي رغم مساوئه، إن كان هذا صحيحا ألم يكن تلميعا للنظام السابق؟

عندما عملت في البنك الدولي رفضت أن أتدخل في المشاريع أو التقارير التي تهم الملف التونسي، ومن الشروط التي فرضتها عندما توليت مهامي في مؤسسة البنك الدولي ألا أعمل في الشأن التونسي

- لم أشرف على كتابة أي تقارير في هذا الشأن، وكل هذه الاتهامات باطلة هدفها تشويه سمعتي، عندما عملت في البنك الدولي رفضت أن أتدخل في المشاريع أو التقارير التي تهم الملف التونسي، ومن الشروط التي فرضتها عندما توليت مهامي في مؤسسة البنك الدولي ألا أعمل في الشأن التونسي وهم قبلوا بذلك، وبالتالي هي اتهامات مغرضة.

 إذاً، على ماذا كانت تتمحور مسؤولياتك في البنك الدولي؟

- مهامي كانت تتلخص في الإشراف على المشاريع التي تخص التنمية ومحاربة الفقر في البلدان الفقيرة العربية والأجنبية، وهو عمل تنموي بحت يخص تحسين ظروف العيش والبنية التحتية.

 ولكن مثل هذه المناصب والمسؤوليات في المؤسسات العالمية عادة ما تقدم إلى خبراء مدعومين من أنظمة بلدانهم، فهل كنت مدعوما من نظام بن علي؟

- أنا لم أحظ بأي دعم سياسي من النظام السابق، بل على العكس جميع المناصب التي توليتها في مؤسسات عالمية كانت بفضل كفاءاتي بعدما قدمت استقالتي من حكومة بن علي.

 وما الذي دفعك للاستقالة من حكومة بن علي؟

- في الحقيقة، عندما توليت منصب وزير للتخطيط في السنوات الأولى لحكم بن علي كان هناك عمل حكومي عقلاني وكان لدي هامش من القدرة على اتخاذ القرارات، لكن مع مرور الوقت تبين لي أن هناك أشياء غير مقبولة تحصل في عمل الحكومة، إذ أصبحت القرارات تتخذ وفق مصالح شخصية بحتة، وهناك مشاريع تُعتمد دون مراعاة المصلحة الوطنية، وبدأ الفساد يظهر في الاقتصاد التونسي وهو الأمر الذي دفعني للاستقالة.

 أظن أنه لم يكن بمقدور أي وزير في حكم بن علي أن يتحدث أمامه عن الفساد، فكيف عللت استقالتك في ذلك الوقت؟

- لم أتردد لحظة في التعبير عن عدم رضاي عن عمل الحكومة، وكنت أقول إن الكثير من القرارات لا تتماشى ومصلحة البلاد.

 بعد الثورة تم تعيينك محافظا للبنك المركزي التونسي، ولاحقتك اتهامات بأنك كنت وراء تعطيل حصول تونس على بعض القروض وقدمت مؤشرات سلبية ساهمت في تراجع الترقيم السيادي للبلاد.. كيف ترد على ذلك؟

- (بغضب)، منذ البداية وأنت تسألني عن الاتهامات وأظن أن أسئلتك موجهة ولها محتوى واحد ومع ذلك سأجيبك، كل هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة، فقط هي محاولات لتشويه صورتي، ليس من المعقول أن مصطفى كمال النابلي حاول إفساد حصول تونس على قروض خارجية، هذا كلام فارغ، لقد عملت بكل روح وطنية بعد الثورة، أما بخصوص خفض الترقيم السيادي فقد تم بسبب عدم كفاءة حكومة الترويكا السابقة في اتخاذ القرارات إضافة إلى التوترات الأمنية والسياسية الاجتماعية التي عاشتها البلاد وهذا ليس له علاقة بشخصي، وسأقول إنه لولا وجودي على رأس البنك المركزي التونسي لكان الترقيم السيادي تدحرج أكثر.

 كيف تقيم نتائج الانتخابات التشريعية التي أظهرت -بحسب المراقبين- أن هناك نوعا من الاستقطاب الثنائي بين حركة نداء تونس وحركة النهضة؟

الانتخابات التشريعية وجهت عدة رسائل، أولاها أنها رفضت التجارب السابقة وعودة رموز النظام السابق للحكم، كما رفضت منح الأغلبية لمن حكم في ظل حكومة الترويكا السابقة

- الانتخابات التشريعية وجهت عدة رسائل، أولاها أنها رفضت التجارب السابقة وعودة رموز النظام السابق للحكم، كما رفضت منح الأغلبية لمن حكم في ظل حكومة الترويكا السابقة، لقد وجه الناخبون رسالة واضحة أنهم يرغبون في طي صفحة الماضي، أما الرسالة الثانية فتتمثل في أن الناخبين لم يمنحوا الأغلبية المطلقة لأي حزب سياسي رغم وجود نوع من الاستقطاب الثنائي بين حركة نداء تونس وحركة النهضة، وبالتالي لا يمكن لأي حزب أن يتحكم بمفرده في المشهد السياسي باعتبار أن هناك أحزابا سياسية أخرى لها وزن مهم داخل البرلمان.

 حركة النهضة لم تعلن دعم أي شخصية للانتخابات الرئاسية وتركت حرية الاختيار لقواعدها، هل هذا يخفف حدة الاستقطاب الثنائي بينها وبين حركة نداء تونس؟

- في الحقيقة، هناك استقطاب نسبي بين مرشح نداء تونس الباجي قايد السبسي، والمنصف المرزوقي الذي تدعمه قواعد حركة النهضة وهذا قد يزيد من حالة الاستقطاب.

وأظن أن دعم حركة النهضة المرزوقي فيه تراجع عن التوافقات السياسية في مجال نبذ العنف باعتبار أنه قام بالتحريض على العنف في عدة مناسبات خلال حملته الانتخابية، وبالتالي على الحركة أن تأخذ هذا بعين الاعتبار حتى لا تنتكس التجربة التونسية.

 هل تعتقد أن لديك حظوظا جيدة للفوز بسابق الرئاسة في ظل الرصيد الانتخابي الكبير لكل من حركة نداء تونس وحركة النهضة؟

- هناك نحو مليون وثلاثمائة ألف ناخب صوتوا لحركة نداء تونس، ونحو تسعمائة ألف صوتوا لحركة النهضة، لكن لا يزال هناك نحو ثلاثة ملايين ناخب آخرين، وبالتالي يبقى هناك مجال كبير لاستقطاب عدد وافر من الناخبين لفائدتي، كما أنه ليس بالضرورة أن يصوت أنصار حركة نداء تونس لصالح الباجي قايد السبسي أو أن يصوت أنصار حركة النهضة للمرزوقي.

 ما هي المواصفات التي تتوفر فيك وتعتقد أنها قد تلعب لصالحك عند الانتخابات؟

- بكل تواضع، أقول إن لدي مواصفات لا تتوفر في بقية المرشحين باعتباري رجل دولة تقلدت عدة مسؤوليات مهمة في تونس وخارجها في المجال الاقتصادي والمالي، ولدي علاقات خارجية واسعة خاصة في المجالين التنموي والمالي، وهذا يجعلني قادرا على توظيف علاقاتي في تعبئة موارد مالية للدولة وتعزيز الشراكة مع الخارج في شتى المجالات الأمنية والاقتصادية وغيرها.

وكمرشح مستقل غير مدعوم لا من الخارج ولا من الداخل لدي قدرة على التوفيق بين مكونات المجتمع المدني والأحزاب، كما لدي قدرة على تقديم نظرة مستقبلية للنهوض بالبلاد، إضافة إلى قدرتي على العمل ليلا نهارا لحل المشاكل التي تعترض البلاد.

 ولكن أليس هناك شيء آخر قد لا يتوفر فيك، وهو نقص الخبرة السياسية؟

الخبرة السياسية هي القدرة على حل مشاكل التونسيين، فما نفع السياسة إذا لم تتم معالجة مشاكل التونسيين، السياسة هي خدمة الصالح العام وحل مشاكل التونسيين

أعتقد أن الخبرة السياسية هي القدرة على حل مشاكل التونسيين، فما نفع السياسة إذا لم تتم معالجة مشاكل التونسيين، السياسة هي خدمة الصالح العام وحل مشاكل التونسيين، أما إذا تحدثنا عن الخبرة السياسية بمعنى التلاعب بمصالح التونسيين فأنا لا أملك أي خبرة في ذلك، لكنني أمتلك خبرة واسعة في المجال العام بحكم تعاملي مع رؤساء الدول وتفاوضي مع المنظمات العالمية والوزراء وهذا في صلب الخبرة السياسية.

 باعتبار أن الرئيس التونسي هو رمز الوحدة الوطنية، كيف يمكنك أن توفق بين الفرقاء السياسيين وسط مشهد سياسي غير مستقر؟

- بالطبع سأعمل على وحدة التونسيين وسأواصل تأصيل الحوار لإيجاد التوافقات اللازمة بين جميع الأطياف السياسية.

 هل ستدعم استكمال المسار الانتقالي في تونس ومحاسبة رموز النظام السابق الذين تورطوا في الفساد والاستبداد؟

- بطبيعة الحال، من المهم جدا أن نستكمل المسار الانتقالي عن طريق تفعيل مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة كل من تورط في أعمال إجرامية ضد مصلحة البلاد.

 من الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على الحكومة السابقة لمنحها بعض القروض خفض الدعم الحكومي، وهو ما أضعف القوة الشرائية للتونسيين ولا سيما الفقراء، هل ستدعم توجه الحكومة القادمة في حال استجابت لشروط صندوق النقد وخفضت الدعم الحكومي؟

- لا بد من وضع إستراتيجية شاملة تمكن الدولة من الحفاظ على توازناتها المالية والوفاء بتعهداتها لتسديد الأجور والقيام بالتنمية والاستثمار وإرجاع القروض الخارجية دون الإضرار بالقدرة الشرائية للمواطنين، وفي ما يخص مسألة الدعم الحكومي للسلع والمنتجات الأساسية فإن نفقات الدولة أخذت حجما كبيرا لم تعد الموازنة قادرة على تحمله وبالتالي لا بد من التفكير في حلول لإيصال الدعم إلى مستحقيه الفعليين من الفئات الفقيرة باعتبار أن الدعم تنتفع به فئات لا تستحقه، هذه هي الفلسفة التي يجب أن ننتهجها ولكن لا بد من التوافق على ذلك في إطار حوار اقتصادي وطني بعيدا عن ما يقوله صندوق النقد الدولي.

 ما هي الملفات التي تضعها على رأس الأولويات في حال فوزك بالرئاسة؟

- الملف الأمني يتصدر أولى أولوياتي، وهو مبني على الدعم السياسي للمنظومة الأمنية وتحييدها عن التجاذب السياسي إضافة إلى تطوير القدرات الاستخباراتية وتقاطع المعلومات بين جميع الوحدات الأمنية والعسكرية وتوفير التجهيزات والإمكانيات اللازمة للأمن والجيش لمحاربة الإرهاب.

أما الملف الثاني فهو إنعاش الاقتصاد والعمل على جذب الاستثمار الأجنبي والداخلي لتنمية الفئات الفقيرة، وهذا يتطلب بالضرورة استعادة الأمن والثقة ومعالجة المشاكل التي تواجهها المؤسسات الاقتصادية وتوفير الخدمات اللازمة لحل المشاكل الإدارية التي تعترض المستثمرين.

والملف الثالث يتعلق بإعادة بناء الدولة وإصلاح الإدارة التونسية وتطوير خدماتها باعتبار أنه لا يمكن التقدم في ظل إدارة لا تعمل وغارقة بالتعيينات المبنية على الولاءات.

المصدر : الجزيرة