تداعيات الحرب الأخيرة على قطاع غزة تجاوزت الأوساط السياسية والإعلامية إلى عمق المؤسسات الحساسة في إسرائيل، حيث حمّل كل من جهاز المخابرات والجيش الآخر مسؤولية الفشل في مواجهة سلاح المقاومة وأنفاقها وخططها.

وديع عواودة-حيفا

لليوم الثاني تشهد إسرائيل بشكل غير مسبوق جدلا صاخبا وتبادل اتهامات علنية بين الجيش وجهاز المخابرات الداخلية (الشاباك) بشأن الحرب الفاشلة على غزة، مما اضطر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للتدخل اليوم وتوبيخ الطرفين لوقف التراشق.

وجاء ذلك على خلفية بث القناة الإسرائيلية الثانية ليلة الثلاثاء تحقيقا كشف فيه قادة كبار في الشاباك أنهم أنذروا الجيش استنادا إلى معلومات وفرتها جهة عربية في يناير/كانون الثاني الماضي، بشأن نية حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالمبادرة بحرب في يوليو/تموز 2014.

وتثير شهادة الشاباك ردود فعل واسعة على خلفية الجو العام السائد في إسرائيل بتفويت الفرصة، وبأن الحرب الباهظة فشلت في تحقيق أهدافها، وأن المقاومة الفلسطينية كانت تتمتع بجاهزية أعلى وبوسائل قتالية أكثر فاعلية.

وتندرج هذه الشهادة التي قدمها بعض قادة الشاباك -وهم محجوبو الهوية- ضمن التراشق بين الجانبين قبيل انتهاء حرب "الجرف الصامد" على غزة.

وكشفت صحيفة هآرتس في سبتمبر/أيلول الماضي عن تفجّر جدل بين الطرفين أثناء اجتماع الحكومة بعد اتفاق وقف النار الذي أنهى الحرب بعد نحو خمسين يوما.

وفي تلك الجلسة الحكومية، نشب نزاع بين رئيس الشاباك يورام كوهين ورئيس الاستخبارات العسكرية أفيف كوخافي الذي نفى أن يكون الجيش تلقى مطلع العام الجاري معلومات عن قرار حماس شن حرب في الصيف.

نتنياهو دعا الطرفين لتحمل المسؤولية
وأمرهما بعدم التحدث للإعلام (الأوروبية)

خط أحمر
واعتبر قائد الجيش بيني غانتس ما تم بثه على لسان الشاباك في البرنامج تجاوزا للخط الأحمر، وشن هجوما مباشرا على رئيسه.

وفي رسالة بعنوان "عن الحقيقة والثقة" بعث بها لرئيس الحكومة، دحض غانتس ادعاءات الشاباك واتهمه بقلة المسؤولية.

وكخطوة أولى، عقد نتنياهو اجتماعا في ديوانه بحضور وزير الدفاع موسيه يعلون وغانتس وكوهين، ودعا الطرفين المتصارعين لتحمل المسؤولية وأمرهما بالكف عن التحدث لوسائل الإعلام.

ويعتبر المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل ما يجري شرخا عميقا في العلاقات بين الجيش والشاباك يكمل خلافاتهما في السابق، كما حدث بعد أسر جلعاد شاليط في 2006.

ويسخر هارئيل من هذا التراشق المعلن، ويقول إنه بدا أكثر أهمية من الصراع مع الفلسطينيين. ويتابع متهكما "عندما تندلع الحرب بين اليهود يمكن للعرب الانتظار".

ويوضح للجزيرة نت أنه على خلفية الخلافات المهنية التي اندلعت بين الجيش والشاباك أثناء الحرب، تحول النقاش حول الردع لمسألة متفجرة بشكل خاص بعد الحرب، مبديا قلقه من تفشي فيروس "حب الذات" في الأجهزة الأمنية.

ويعتبر المحلل للشؤون الاستخباراتية يوسي ميلمان أن الأزمة الراهنة بين الجيش والشاباك تتوج توترا وعلاقات سيئة بينهما منذ سنوات.

ويشير إلى أن الشاباك زود الجيش بمعلومات مهمة أثناء الحرب ساعدته في تحقيق مكاسب ميدانية، لكن الأخير نسبها لنفسه فقط عبر تسريبات للصحف أحيانا متجاهلا الأول.

ميلمان: الأزمة الراهنة بين الجيش والشاباك تتوج توترا يعود لسنوات (الجزيرة نت)

حرب وغبن
ويعتبر أن التعاون غير المسبوق للشاباك مع القناة التلفزيونية الثانية جاء بهدف تصحيح الغبن، وربما لتصفية الحساب الطويل مع الجيش، لافتا إلى أن البرنامج نجح في إثارة الحرب بين الجهازين.

ويرى أن الأزمة الراهنة تهدد مستوى التعاون بين الجهازين في فترة يتدهور فيها الأمن بشكل كبير ووسط مخاوف من انتفاضة ثالثة، معربا عن خوفه من سيطرة نزعة "الأنا" وتفضيل عبادة الذات على الصالح العام.

ويقول المعلق وأحد ضباط الجيش السابق روني بن يشاي إن الأزمة بين الجهازين تنم عن اعتبارات تتعلق بهيبة كل منهما وتنافس قادتهما على الصدارة والنياشين.

لكن يشاي يستبعد أن تتفاقم الأزمة إلى حد التسبب في شرخ خطير في علاقات التعاون بين الجيش والشاباك، مشددا على أن الرأي العام والإعلام لن يسمحا بتدهور علاقات التعاون، خاصة بعد تدخل نتنياهو.

وبعد اجتماع مع نتنياهو، نشر الشاباك اليوم توضيحا حاول فيه خفض التوتر مع الجيش، وقال فيه إن المعلومات التي زوّد بها الجيش مطلع العام تحدثت عن استعدادات في غزة، تمهيدا لحرب محتملة مع إسرائيل.

ونفى الشاباك وجود تحذير بنشوب حرب مؤكدة مع حماس في يوليو/تموز الماضي، موضحا أن معلوماته كانت تفيد بأن حماس تنوي القيام بعملية كبيرة من شأنها أن تفضي لحرب.

وتابع البيان أيضا أن الشاباك علم بوجود عدة أنفاق، لكنه لم يعلم نظامها الكامل الذي تكشف أثناء الحرب، منوها إلى أن تعاونه مع الجيش أثناء الحرب حال دون مقتل إسرائيليين كثر.

المصدر : الجزيرة