ردا على العقوبات الغربية بدأت روسيا تنظر شرقا وتسعى لبناء علاقات وثيقة مع الصين وتبحث عن سوق لنفطها وغازها خارج أوروبا، فيما تسعى للحصول على قروض من بورصات حديثة في سنغافورة وهونغ كونغ، مما يثير قلقا لدى الأميركيين وفق خبراء.

أشرف رشيد-موسكو

شهدت العلاقات الروسية الصينية في الآونة الأخيرة تحولات لافتة ببلوغها مستويات رفيعة من التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، مما يطرح تساؤلات عديدة عن مغزى هذا التقارب في الوقت الراهن والأهداف المرجوة منه.

فقد تزايدت في الفترة الماضية اللقاءات والزيارات المتبادلة بين الجانبين والتي كان آخرها زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ لموسكو، وجرى خلالها التوقيع على نحو أربعين اتفاقية تعاون في مختلف المجالات.

كما حضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي في بكين، ووقع على 17 اتفاقية ثنائية جديدة بين البلدين.

عميد كلية الاقتصاد بجامعة موسكو البروفيسور يفغيني إفدوكوشين يرى أن التوجه الروسي نحو الشرق ليس جديدا وإنما هو نتيجة إستراتيجية حكومية قديمة ساعدت الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة على إنضاجها وتسريعها.

واعتبر أن التقارب الروسي الصيني بات مسألة ملحة، ذلك أنه "يسهم في موازنة القوى ودعم السلام والاستقرار على المستوى الدولي"، خاصة أن لدى موسكو وبكين رؤية مشتركة بشأن القضايا الساخنة مثل المشهد السياسي في مصر والأزمة السورية والملف النووي الإيراني.

إفدوكوشين: توجه روسيا نحو الصين يأتي في إطار إستراتيجية قديمة (الجزيرة نت)

محاور التعاون
وفي ما يتعلق بأهم محاور التعاون، اعتبر إفدوكوشين أن التعاون العسكري التقني بين روسيا والصين سيحتل مكانة خاصا، ولا سيما في الوقت الراهن الذي تشهد فيه العلاقات بين موسكو والغرب حالة من التوتر.

وأشار إلى أن هذا التعاون يأتي في ظل التوجه الإستراتيجي الأميركي نحو الشرق وتركيز واشنطن على البعد الآسيوي، وزيادة تواجدها السياسي والعسكري في المنطقة.

ولفت إلى أن واشنطن متخوفة جدا من هذا التقارب، وتشعر بقلق بالغ من تنامي القدرات العسكرية للبلدين، ومن التحديث السريع لجيشيهما وتطوير الصناعات الدفاعية، مما يشكل تحديا للتفوق العسكري الأميركي.

وفي إطار العقوبات المفروضة على روسيا ووضع قيود أمام وصول الأموال إليها، فإنه من الطبيعي أن تتجه موسكو للحصول على القروض من آسيا، ولا سيما أنها تحتضن بورصات جيدة في هونغ كونغ وسنغافورة، وفق إفدوكوشين.

وقال إن هذه البورصات يمكن أن تقرض موسكو أموالا بأسعار فائدة أقل من الفوائد التي تفرضها المؤسسات الغربية.

وأضاف أن الاقتصاد الروسي يواجه في الآونة الأخيرة تحديات عديدة ناجمة عن تراجع أسعار البترول في الأسواق العالمية بشكل ملحوظ وانخفاض سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية.

وقال إن هذا يرتبط بشكل وثيق بالسياسة، وبالتالي من الضروري لموسكو إجراء مراجعات ووضع خطط تتسم بالشمولية وطول الأمد بهدف تنويع مصادر الاقتصاد وإيجاد أسواق جديدة لتخفيف الاعتماد على سوق المحروقات الأوروبية، ويقتضي هذا زيادة تصدير النفط والغاز إلى دول منطقة آسيا والمحيط الهادي.

لكنه أوضح أن روسيا لم توصد الباب في وجه الغرب وأبقت مجال الحوار مفتوحا على الرغم من التوتر، للإبقاء على قدر من التوازن في علاقاتها بالغرب والشرق.

ماسلوف: روسيا والصين انتقلتا بالفعل إلى مرحلة متقدمة من التعاون (الجزيرة نت)

نظام جديد
أما الباحث في المدرسة العليا للاقتصاد أليكسي ماسلوف فقد عبر عن قناعته بأن التقارب الروسي الصيني يبشر بولادة نظام عالمي جديد تعود أصوله إلى العهد السوفياتي وبدأت ملامحه تتضح.

وقال إن هذا النظام يقوم على توافق صيني روسي لمواجهة المد الغربي إلى مناطق النفوذ الروسية.

واعتبر ماسلوف أن روسيا والصين انتقلتا بالفعل إلى مرحلة متقدمة من التعاون الإستراتيجي وبلغتا درجة الامتلاء الاقتصادي الكامل، "وهذا رد فعل طبيعي على التهديدات الغربية بعزل موسكو".

ومما يعزز هذا الطرح حجم الاتفاقيات التي وقعت بين روسيا والصين خلال الفترة الأخيرة، وفق تقدير ماسلوف.

ومن أهم العقود التي تم التوقيع عليها اتفاقات تكميلية في إطار تنفيذ العقد المبرم في مايو/أيار الماضي لإمداد الصين بالغاز الروسي لمدة ثلاثين عاما، بمعدل أربعين مليار متر سنويا، بقيمة إجمالية تبلغ نحو أربعمائة مليار دولار.

كما توصل البلدان إلى اتفاق حول دعم تنفيذ مشروع بناء خط لأنابيب الغاز على الأراضي الروسية الصينية، وقد بدأ بناء الجزء الروسي من الخط في مقاطعة ياكوتيا بشمال البلاد.

وأضاف ماسلوف أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين ينمو بوتيرة جيدة، ومن المتوقع أن يزداد بقوة في السنوات القادمة.

كما أوضح أن تطوير مناطق سيبيريا والشرق الأقصى الغنية بالموارد الطبيعية كان دائما من أولويات السياسة الروسية.

وقال إن تطوير هذه المناطق يتطلب وجود تعاون وثيق بين روسيا ودولة تمتلك إمكانيات مادية وبشرية وفنية ضخمة مثل الصين.

المصدر : الجزيرة