فسر مراقبون اهتمام الحكومة المتزايد بمراقبة الجمعيات المدنية بأنه يهدف إلى التضييق على هذه الجمعيات، بينما رأى آخرون أنه يأتي في سياق تشديد المراقبة على القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، حيث يقدر عدد الجمعيات بالمغرب بنحو مائة ألف.

الحسن أبو يحيى-الرباط

تُوجب القوانين المغربية على منظمات المجتمع المدني الكشف عن حجم ومصادر تمويلها الخارجي، لكن عدد المنظمات التي تلتزم بهذه القوانين لا يتجاوز 1% من عدد الجمعيات الموجودة في البلاد، وهو ما فسره مسؤولون بأنه غياب للمساءلة الحكومية بهذا الصدد.

وبينما فسر مراقبون اهتمام الحكومة المتزايد بهذا الملف بأنه يأتي وفق رغبة في التضييق على هذه الجمعيات، رأى آخرون أنه يأتي في سياق تشديد المراقبة على القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد.

ويقدر عدد الجمعيات في المغرب بنحو مائة ألف، بينما يقدر عدد الجمعيات التي كشفت عن مصادر تمويلها خلال السنوات الثماني الأخيرة بنحو ألف جمعية، وفقا لمصادر حكومية.

وتُظهر الأرقام التي كشف عنها -لأول مرة أمام البرلمان خلال الاجتماع الأخير للجنة الدائمة لمراقبة المالية العامة- الأمين العام للحكومة المغربية إدريس الضحاك أن 962 جمعية فقط صرّحت خلال الفترة ما بين 2006 و2014 بما تلقّته من دعم أجنبي، حيث بلغ مجموعه مليار و252 مليون درهم مغربي (نحو 141 مليون دولار).

الحبيب شوباني: غياب الصرامة ولّد حالة من التساهل (الجزيرة)

غياب المراقبة
وفسر الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني الحبيب شوباني هذا الأمر بغياب الصرامة في إعمال القانون، ممّا ولّد حالة من التساهل في هذا المجال.

واعتبر في تصريح للجزيرة نت أن ذلك "ربما يعود لأن الإدارة لم تكن تُدرج عمل الجمعيات ضمن المجالات الحساسة في الرقابة على المال العام".

من جهته، عزا رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أحمد الهايج نُدرة الجمعيات التي كشفت عن مصادر دعمها الخارجية إلى وجود عدد كبير من الجمعيات الوهمية.

وقال للجزيرة نت إن أغلب الجمعيات لا تعقد شراكات تتلقى بموجبها تمويلا من الخارج، وتابع أنه بدلَ مساءلة الجمعيات الممتثلة للقانون، "تجب محاسبة الأمانة العامة للحكومة على تقاعسها عن تطبيق القانون".

وانتقد الهايج اهتمام الحكومة المتزايد بهذه القضية، "وجعلها شغلها الشاغل"، وقال إنه مع اعتماد الشفافية، "لكن ما يحدث أنه يتم التعاطي بانتقائية مع بعض الجمعيات لحسابات سياسية وليست قانونية، في مسعى للتضييق عليها والتأثير على مواقفها من انتهاكات حقوق الإنسان، مستغلة انتكاسة ما سُمّي بالربيع العربي في أغلب البلدان التي شهدته".

أحمد الهايج انتقد اهتمام الحكومة الكبير بمراقبة الجمعيات (الجزيرة)

قيمة دستورية
من جانبه، اعتبر رئيس لجنة مراقبة المالية العامة بمجلس النواب إدريس صقلي عدوي أن مراقبة الدعم الخارجي والداخلي لمنظمات المجتمع المدني تكتسب قيمة دستورية من خلال تفعيل الإجراءات المتعلقة بمكافحة الفساد والريع.

ونفى للجزيرة نت وجود أي توجه نحو ضبط عمل المجتمع المدني، "فهو شريك أساسي في العملية الديمقراطية والتنموية لبلادنا، ودورنا في البرلمان أن نتغلّب على الصعوبات التي يعاني منها، ونسهم في احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في الحصول على الدعم".

من جانبه، أوضح النائب البرلماني عن كتلة الأصالة والمعاصرة المعارض يونس السكوري أنه من الطبيعي أن يقوم البرلمان بدوره الرقابي تجاه ملف الدعم الذي تتلقاه الجمعيات، لكنه أوضح أن البرلمان لا يمكن أن ينجح في هذا إذا لم يكن التمويل وطرُق صرفه شفافة، مشيرا إلى نقص المعلومات بهذا الصدد.

واعتبر في حديث للجزيرة نت أن الدخول في التفاصيل "يُظهر أن التعاطي مع تمويل الجمعيات يتم بشكل انتقائي"، مضيفا أن الطبقة السياسية في المغرب تعاني من الخلط الذي يجعلها تستعمل بشكل غير بريء عمل الجمعيات من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

وهو ما علّق عليه الوزير شوباني بالقول إن هذا ما انتهى إليه الحوار الوطني حول المجتمع المدني -الذي أدارته لجنة وطنية مستقلة- حيث أفرز منظومة متكاملة من التدابير، منها مراجعة المنظومة القانونية لسد كل الثغرات التي كانت موجودة في السابق.

المصدر : الجزيرة