يبدو أن اقتحام المسجد الأقصى المبارك والهبة المقدسية لحمايته تُحدث شرخا في المجتمع الإسرائيلي، فحاخامات يحرّمون هذه الاقتحامات لأسباب دينية ودنيوية أبرزها تكرار حوادث قتل الإسرائيليين، في حين أن المتطرفين من الساسة والمستوطنين يتجاهلون رأيهم ويواصلون اقتحاماتهم.

أسيل جندي-القدس المحتلة

بُعيد إصدار الحاخام الأكبر لليهود الشرقيين يتسحاك يوسف الأسبوع الماضي بيانا يؤكد تحريم اقتحام المسجد الأقصى في الديانة اليهودية، انهالت عليه الانتقادات وهوجم بشدة من النواب اليمينيين المتطرفين وعلى رأسهم وزير الاقتصاد والأديان نفتالي بينيت، ووصفوه بأنه "لا يمثل أحدا" وأنه "استغل المنصة التي منحت له في جنازة قتيل للتحريض على الضحية بدل اتهام الجلاد".

وتلا الحاخام بيانا أثناء جنازة أحد القتلى الإسرائيليين في عملية الدعس التي نفذها الشهيد إبراهيم عكاري، قال فيه "على اليهود الامتناع عن الذهاب إلى الحرم القدسي وإثارة العرب، يتوجب إيقاف هذا، فقط بهذه الطريقة يمكن وقف سفك دماء شعب إسرائيل".

وبالعودة لفتاوى الحاخامات التي طالما حرمت اقتحام الأقصى، فحسب رأيهم "لا يجوز الصعود إلى جبل الهيكل في وضعه الحالي"، وأن على اليهود الانتظار لعودة "المسيح المنتظر"، وأن من يقومون بذلك يسعون لتحقيق مكاسب سياسية لا أكثر.

عمر مصالحة:
ما يحصل بالقدس والأقصى أمور سياسية بحتة لأن الحكومة اليمينية المتطرفة ليست لها مرجعية دينية ولا تعطي أهمية لتعليمات الدين اليهودي، فليس هناك ما يضبط سلوك الحكومة دينيا

الشرقيون والغربيون
وحسب الباحث في الديانة اليهودية والمجتمع الإسرائيلي عمر مصالحة فإن اليهود المتدينين ينقسمون إلى مجموعات كثيرة جدا، وأبرز المجموعات التي تطالب باستمرار اقتحام المسجد الأقصى هي اليهود المتدينون الصهاينة والمؤطرون في حزب "البيت اليهودي"، مؤكدا أن ما يحصل بالقدس والأقصى أمور سياسية بحتة لأن الحكومة اليمينية المتطرفة ليست لها مرجعية دينية ولا تعطي أهمية لتعليمات الدين اليهودي، فليس هناك ما يضبط سلوك الحكومة دينيا.

وعن الفتوى الحاخامية الأخيرة، قال مصالحة إن يتسحاك يوسف صاحب الفتوى يمثل اليهود المتدينين الشرقيين وهم تاريخيا أكثر اعتدالا من المتدينين الغربيين، ومن الحاخامات من يحرم المجيء إلى البلاد أصلا وأكثر من ذلك تحريم الصعود إلى ما يسمى "جبل الهيكل"، وهناك تشريعات في الأدبيات الدينية اليهودية تحرم القيام بأي فريضة إذا تسببت بمقتل فرد يهودي واحد، ومن هنا أيضا جاءت الفتوى الأخيرة لتؤكد تحريم اقتحام المسجد الأقصى.

يذكر أن الحاخام يتسحاك يوسف هو نجل الحاخام عوفاديا يوسف الذي اشتهر بتشريعاته العنصرية ضد العرب والفلسطينيين، وشكل هذا سببا إضافيا لغضب النواب اليمينيين من فتوى الحاخام الأخيرة.

وقال مدير التعليم الشرعي في المسجد الأقصى المبارك ناجح بكيرات إنه منذ اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون للأقصى عام 2000، بدأ يظهر تيار صهيوني جديد هدفه القفز على فتاوى الحاخامات، فلم يجرؤ قبل ذلك أحد على التطاول على الحاخامات، إذ إن دخول الأقصى كان يتم بشكل فردي ودون إعلان مسبق ودون إضفاء صفة القدسية على الزيارة، أما الآن نشهد قفزة نوعية خطيرة لا تتمثل فقط بالسماح بدخول الأقصى وإنما اعتباره واجبا دينيا أيضا، حسب بكيرات.

بكيرات: نشهد قفزة نوعية خطيرة لا تتمثل فقط بالسماح بدخول الأقصى وإنما اعتباره واجبا دينيا (الجزيرة)

عُقد الاحتلال
وحول تكثيف الاقتحامات للمسجد قال بكيرات إنها ناتجة عن ثلاث عُقد موجودة لدى الاحتلال الإسرائيلي "عقدة الخوف من وجود المسجد الأقصى كجذر إسلامي وعربي جعلتهم يفكرون بالتخلص منه، كما أن العقدة الأيديولوجية في موضوع حرق وخراب الهيكل الأول والثاني والبحث عن موقع الهيكل في ظل عدم وجود نصوص واضحة تحدد مكان الهيكل، والأخطر من ذلك هو إدراك الاحتلال أن المشروع الصهيوني بدأ ينحسر تدريجيا وأن الشيء الذي جمعوا عليه الشعب اليهودي من أجل القدس وأرض الميعاد والهيكل غير موجود وبالتالي هم يسابقون الزمن للاستيلاء على المسجد الأقصى وتهويده".

وعن مستقبل الاقتحامات، يرى مراقبون أن الفتوى الأخيرة للحاخامات تعيد خلط الأوراق، فالجميع مقبل على مواجهة لا محالة في ظل توجه الشارع الإسرائيلي نحو التطرف وتدحرج ردة فعل المقدسيين في هبتهم لحماية الأقصى.

ولا بد من الإشارة إلى أن إخفاق اليهود في العثور على آثار للهيكل المزعوم من خلال الحفريات التي قاموا بها أسفل المسجد الأقصى أثارت لديهم حالة من الإحباط دفعتهم لتكثيف اقتحامات المسجد.

المصدر : الجزيرة