تستدعي قراءة مفردات المشهد في بوركينافاسو هذه الأيام التوقف عند وضع الجالية العربية هناك، والتي يمثل العنصر اللبناني المكون الأكبر الملحوظ فيها رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة بعدد أفراد الجالية التي تضم أيضا مغاربة وموريتانيين وسودانيين.

أحمد الأمين-واغادوغو

لا يكاد المتجول في شوارع واغادوغو يلمس وجودا للعرب في هذه العاصمة الأفريقية يقارب وجودهم في عواصم أخرى من القارة، لكن الحضور العربي فيها -وإن بدا غير ملموس في الشارع وفي السياسة- يبقى ماثلا ومؤثرا في المشهد الاقتصادي والنشاط التجاري.

ففي واغادوغو جالية عربية تضم لبنانيين ومغاربة وسودانيين وموريتانيين وجنسيات عربية أخرى، منهم المدرس والطبيب والتاجر ورجل الأعمال، احتضنهم الشعب البوركيني فاندمجوا فيه واحترموا خصوصياته وتفاعلوا معه في حدود المشترك.

يقول أحد السودانيين المقيمين في بوركينافاسو "إن إقبال العرب هنا على أعمالهم ونشاطاتهم التجارية "صرفهم عما سواها، وانشغالهم بهموم أوطانهم المثخنة بالجراح أغناهم عن الانغماس في شؤون بلد استضافهم وتعاطى معهم بأريحية واحترام".

سكات محمد: البوركينيون أقل انفتاحا
وأكثر مسالمة (الجزيرة نت)

تفاوت
ورغم تقاسم المكان والزمان وربما الاهتمام، لا يوجد ناظم لهذه الجالية يضمن تلاقيها أو حتى معرفة بعضها لبعض، فضلا عن حصر عدد أفرادها وتحديد مشاكلها ومطالبها، مما يجعل الحصول على معلومات عنها مهمة أقرب إلى المستحيل.

ويتفاوت وجود الجالية في أسواق واغادوغو وأحيائها حسب طبيعة نشاط أفرادها الذي يكاد ينحصر في قطاع التجارة والخدمات، مع استثناءات قليلة. ويبدو اللبنانيون أكبر مكونات الجالية وأكثرها تأثيرا في السوق، حيث يمتلكون مجمعات تجارية لها صيتها الذائع في العاصمة البوركينية، وتضم محلات "السوبر ماركت" والأدوات المنزلية والأجهزة الكهربائية، وغيرها.

وتشكل المطاعم واحدا من أهم مكونات المشهد التجاري العربي في واغادوغو، ففي حي "واغا 2000" الراقي تنتشر المطاعم اللبنانية كما تنتشر على شارع نواكمي، ويرتادها علية القوم وكبار الشخصيات.

وحسب الحضور التجاري البارز والمعلومات المستقاة من أفراد الجالية في واغادوغو، فإن العرب حاضرون في هذا البلد، إلا أنه لا توجد أي أرقام أو معلومات يمكن الاستناد إليها في تقدير عدد أفراد الجالية.

فاللبنانيون هم أكثر مكونات الجالية حضورا وتنظيما، وقد اعتُمد اثنان منهم قنصليْ شرف لسوريا ولبنان، لكنهم يتحفظون في الحديث عن عدد أفراد الجالية أو مجالات نشاطها، وتستقر على لسان كل من تسأله منهم لازمة لا تتغير "لن أستطيع إفادتك".

وجود العرب التجاري المميز في بوركينافاسو لم يترجم بحضور سياسي على الساحة، إذ يغيب أي نشاط أو مواقف سياسية لأفراد الجالية، باستثناء علاقة رجل الأعمال الموريتاني مصطفى الشافعي مع الرئيس المخلوع بليز كومباورى، حيث يوصف بأنه مستشاره الخاص.

 سدات: الوجود العربي مرتبط بالمواطنين
أكثر من ارتباطها بالجهات الرسمية (الجزيرة نت)

طبيعة العلاقة
يقول الموريتاني الموظف بمكتب منظمة الصحة العالمية في واغادوغو حسن سدات إن "طبيعة نشاط الجالية العربية في بوركينافاسو يجعلها ترتبط بالمواطنين أكثر من الجهات الرسمية، وهذا يعزلها عن تقلبات السياسة والصراعات الداخلية".

ويضيف سدات في حديث للجزيرة نت أن "الشعب البوركيني مسالم بطبيعته، ويقدر الأجانب ويتعامل معهم باحترام كبير، وهذا التعامل الأريحي قد يجعل الوافد في غنى عن العلاقات السياسية".

ويؤكد هذا الرأي أكرم حسب الرسول (سوداني يعمل في مجال تسويق أجهزة التنقيب عن النفط)، ويقول إن "البوركينيين بطبعهم مسالمون ويحترمون ضيوفهم، ولا يكاد الضيف يشعر بأنه خارج بلده، وفي كثير من الأحيان نلاحظ تعاطف الأمن معنا وانحيازه إلينا في أي خلاف مع المواطنين".

ويوافقه الرأي المغربي سكات محمد مؤكدا "أريحية البوركينيين في التعامل مع الأجانب"، لكنه يشير إلى أنهم "أقل انفتاحا من جيرانهم العاجيين، وإن كانوا أكثر مسالمة وهدوءا".

ورغم هذه السلمية والأريحية فإن هناك حالة من الترقب داخل أوساط هذه الجالية، يلمسها المرء في تحفظ أفرادها من الحديث، وانتظارهم لما ستسفر عنه الأحداث في بوركينافاسو بعد سقوط كومباوري.

المصدر : الجزيرة