بعد ستين عاما من انتصار ثورة الجزائر على الاحتلال الفرنسي لا تزال الثورة التي قدمت مليون ونصف مليون شهيد دون تأريخ حقيقي يعتمد على الرواية الجزائرية ليوميات الثورة ودروسها، فما كتب حتى اليوم يعتمد في معظمه على الرواية الفرنسية.

أميمة أحمد-الجزائر

تعد الثورة الجزائرية واحدة من أبرز ثورات النصف الثاني في القرن العشرين سقط فيها قرابة مليون ونصف مليون شهيد، ولا تزال دون تأريخ كما تستحق.

وتحتفل الجزائر اليوم بمضي ستين عاما على أول رصاصة انطلقت بالثورة من جبال الأوراس بالشرق الجزائري في غرة نوفمبر/تشرين الثاني 1954، والتي امتدت حتى إعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس/آذار 1962 الذي سمي "عيد النصر".

وأعلن رسميا استقلال الجزائر في 5 يوليو/تموز من العام نفسه، وهو اليوم الذي غزت فيه فرنسا الجزائر عام 1830، فأراده الجزائريون يوما لخروجها من الجزائر.

غير أن هذه الثورة لم يؤرخ لها الجزائريون بما يليق بها، ولم تسجل تفاصيلها بأمانة لتستفيد منها الأجيال التي لم تعايش يومياتها، كما قال المؤرخ محمد عباس في كتابه "نصر بلا ثمن" الذي حاول فيه التأريخ معتمدا على وثائق جزائرية.

محمد القورصو دعا لتحرير تاريخ الثورة من روايات المدرسة الاستعمارية (الجزيرة)

رواية فرنسية
وقال عباس في حديثه للجزيرة نت "إن الإشكالية الأساسية في كتابة تاريخ الثورة أن الجزائريين تأخروا في كتابة تاريخ انتصارهم، فيما سارع الفرنسيون المنهزمون إلى كتابة تاريخ ثورتنا لكن بروايتهم، لتبرير جرائمهم كاستعمار استيطاني فشوهوا الثورة، وأصبح الجزائريون في حالة دفاع عن تاريخهم".

لذا دعا أستاذ التاريخ في جامعة الجزائر2 المؤرخ محمد القورصو إلى "تحرير تاريخ الثورة من روايات المدرسة الاستعمارية التي فرضت مفاهيم على تاريخ الجزائر، منها أن الجزائر لم تكن موجودة قبل الوجود الفرنسي الذي سماها الجزائر".

ودعا القورصو أيضا إلى مواجهة ما وصفه بـ"الطابوهات" بأن جزءا من تاريخ الثورة لا يزال مسكوتا عنه، إن كان مبررا إبان الثورة كي لا تتمزق وحدة الصف، فليس مبررا إخفاؤه بعد النصر.

وأضاف للجزيرة نت أن "كل ثورات العالم حدثت فيها خلافات بين قيادتها وتصفيات، وهي سلبيات طبيعية في الثورات، وليس عيبا الحديث عنها، بل هي مصالحة مع التاريخ لنقل الحقيقة إلى الأجيال"،
وهو ما يستوجب الإفراج عن أرشيف تاريخ الجزائر برمته الذي ما زالت فرنسا تحتفظ به حتى اليوم لابتزاز الجزائر حسب المؤرخة مليكة قورصو أستاذة التاريخ في جامعة الجزائر2.

وقالت قورصو للجزيرة نت "نحن مؤرخون من جيل الشباب وجدنا عقبات في الحصول على الوثائق التاريخية لتدوين تاريخ ثورتنا العظيمة، وما كتب عن الثورة لا يزال في تصنيف الانطباعات عن الثورة، خاصة مذكرات بعض المجاهدين الذين شاركوا في ثورة التحرير فكانت رواية من وجهة نظر شخصية عاشوها في منطقة معينة، ولا تشمل كل تاريخ الثورة".

عبد المجيد مناصرة يرى أن ما كتب عن تاريخ الثورة لم يرق للتوثيق العلمي (الجزيرة)

قراءة سياسية
وفي نظر السياسيين فإن ثورة الجزائر بدأت مبكرا منذ ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، ثم ثورة بوعمامة، وثورة ولاد جلال وغيرها، وانتهت بثورة نوفمبر 1954، حسب عبد العزيز رحابي وزير الإعلام السابق وعضو قيادة قطب التغيير الديمقراطي.

وأضاف رحابي للجزيرة نت "أود التوضيح أن الجزائر ليست وليدة ثورة التحرير كما يزعم البعض نقلا عن الرواية الفرنسية، بل لها تاريخ عريق منذ عهد نوميديا وماسيسنيسا مرورا بالدولة الفاطمية والعهد التركي بالجزائر"، وتأسف أن تاريخ ثورة الجزائر لم يكتب بعد بما يليق بها.

وهو ما ذهب إليه عبد المجيد مناصرة وزير الصناعة السابق ورئيس جبهة التغيير (حزب إسلامي) "كتب كثيرون عن ثورة نوفمبر سواء مذكرات سياسية لمجاهدين من قادة الثورة، أو رسائل جامعية، لكنها لم ترق إلى كتابة التاريخ الموثق علميا".

ويعتقد مناصرة أن "كتابة التاريخ المحايد (العلمي الموثق) ستكون بعد رحيل جيل الثورة الذي ما زال يحكم الجزائر بالشرعية الثورية"، لكن ما كتب عن الثورة -حسب مناصرة- "اعتمد على شهادات حية، ويعطي صورة عن ثورة الجزائر، لكنه لا يرقى لعظمة تضحياتها، وليس في مستوى البحث العلمي".

المصدر : الجزيرة