بسكّتها وينابيعها وقلاعها ومدارجها، تحكي قرية بتير في بيت لحم قصة موغلة في الجمال كتبها الرومانيون والكنعانيون والعثمانيون، وما تزال صامدة أمام مساعي إسرائيل لتهويدها وتشويه إشراقتها وطمس معالمها وتزييف تاريخها.

عاطف دغلس-بتير

بشكل شبه يومي، وللشهر الثالث على التوالي، يقضي ثلة من طلبة وأطفال قرية بتير في مدينة بيت لحم (جنوب الضفة الغربية) جُل وقتهم مع الناشطة الاجتماعية مريم معمر للتعرف على قريتهم، وما غُرس فيها من جذور كنعانية ورومانية وبصمات العثمانيين فيها عبر سكة حديد الحجاز.

وبتير الوادعة هي إحدى قرى جنوب غرب القدس، وظلت حتى عام 1948 تابعة لها حتى جثم الاحتلال فوق أرضها وحالت تقسيماته دون بقائها في حضنها.

ولهذه القرية حكاية صمود وحفاظ على المعالم التاريخية والأثرية ترددها مريم على مسامع أولئك الأطفال والزائرين.

وتقول مريم إن تراث القرية يهدده جدار الفصل العنصري الذي وصل إلى مشارفها "وحالت تضحياتنا الدولية والمحلية" دون مروره بها بعد إدراجها في قائمة التراث العالمي، ومن ثم أصبحت حماية آثار القرية والحفاظ عليها ضمن مسؤولية اليونسكو.

مريم معمر: قرية بتير تضم منازل أثرية قديمة وبعض المقامات الدينية (الجزيرة نت)

تلال وينابيع
وتربض بتير فوق سفح تلة تنبعث من بين صخورها ثمانية ينابيع تُطل على مصاطب مائية ومدرجات رومانية عانقتها معاول الفلاحين فحوّلتها إلى جنة خضراء تؤتي أكلها من مزروعات عدة أبرزها الباذنجان الذي أكسبها شهرة إضافية وارتبط اسمه بها.

وتقول مريم إن المياه تنبع من العيون الرئيسية لتصب في حوض مائي أنشئ خصيصا لها، ومن ثم تنطلق لتتوزع عبر قنوات كنعانية على أراضي المزارعين.

وأشارت إلى وجود ثماني عائلات بالقرية تتقاسم المياه للري وفق حصص محددة منذ قرون مضت، ولم يحصل أن حدث أي خلاف بينها على القسمة.

وإلى جانب ينابيع المياه ومجاريها الكنعانية، توجد أدراج رومانية تنقل الزائرين للقرية من مكان لآخر دون الشعور بالتعب.

ويأخذ الزائر سحر القرية وجمال أشجارها وارفة الظلال، وينتعش جو المكان بالجوز وروائح النعناع البلدي والريحان الذي يتدفق بين سلاسل حجرية بناها أهالي القرية لحماية الأرض وإضفاء مسحة من الجمال.

بتير تتميز بجمال طبيعتها وتضم آثارا تعود لحضارات مختلفة (الجزيرة نت)

منازل ومقامات
وتلفت معمر إلى أن القرية تتميز بالمنازل الأثرية القديمة وبعض المقامات الدينية "كمقام أبي اليزيد". ويتجلى جمال القرية في الصخور التي بنيت فوقها بعض منازل المواطنين وبات منظرها مثل القلاع.

ويضفي خط سكة حديد الحجاز معنى آخر على القرية. ويقول رئيس المجلس القروي حسين البطمة إن الخط يحكي قصصا من الصمود في وجه الاحتلال.

ويوضح أنه في عام 1948 وإبان النكبة رفض حسن مصطفى -وهو أحد زعماء القرية- أن تقوم إسرائيل بعزل بتير عن أراضيها الواقعة خلف خط القطار ومصادرة أربعة آلاف دونم منها.

ويقول البطمة إن مؤتمر رودس في اليونان عام 1949 الذي أنهي بموجبه الانتداب البريطاني أضاف ملحقا للاتفاقية يقضي بألا يتم عزل الأراضي التي خلف سكة الحديد "لتبقى بتير وحدها من بين القرى الفلسطينية بالضفة الغربية متصلة مع أراضيها".

ويشدد على أن انضمام فلسطين لليونسكو يعني توقف الجدار وحماية تراث القرية والحيلولة دون مصادرة أكثر من سبعين ألف دونم منها ومن القرى المجاورة. وقال إن السلطات شرعت في إعمار القرية وترميم المنازل القديمة وعمل مشاريع لتشجيع السياحة.

وبالنسبة لرغد حسين وغيرها من الأطفال، تبدو القرية جميلة بكل مكوناتها، وتقول إنهم سيجتهدون في حفظ تاريخها ومعالمها وحمايتها من كل غاصب.

وتضيف رغد أنها -مع زملائها- تحضر إلى مكتبة القرية للتعلم باستمرار، ولن تنقطع عن زيارة كافة مرافقها.

المصدر : الجزيرة