المحكمة أقرت بمبدأ التعويض ودفع تكاليف المحكمة وأتعاب المحاماة، وحددت جلسة في ديسمبر/كانون الأول المقبل لتحديد مبلغ التعويض، علما بأن إسرائيل تفرض بالعادة إجراءات مشددة لمنع الفلسطينيين من التقدم بشكاوى ومقاضاة جنود الاحتلال.

عاطف دغلس-طوباس-الضفة الغربية

لم يكن الشاب الفلسطيني زكريا دراغمة يعلم أنه على موعد مع الموت في مايو/أيار 2006 خلال وجوده عند حاجز الباذان جنوب مدينته طوباس شمال الضفة الغربية، وأنه سيكون هدفا لجنود احترفوا القتل بلا هوادة.

واستشهد زكريا الذي يعمل سائقا عموميا، بعد إصابته برصاصة اخترقت ظهره أطلقها عليه أحد جنود الاحتلال الذين اقتحموا الحاجز بشكل مفاجئ.

ومنذ أقل من شهر قضت محكمة الصلح الإسرائيلية برئاسة القاضي سهيل يوسف بمدينة الناصرة المحتلة عام 1948 لصالح ذوي الشهيد زكريا الذين كانوا -وعبر نقابة السائقين والاتحاد العام لعمال فلسطين- تقدموا بشكوى ضد الجنود الذين "استهتروا" بحياة الشهيد.

وقال عبد الرحمن دراغمة شقيق الشهيد إنهم تقدموا بشكوى لتأكدهم من براءة شقيقهم ولتعرية جريمة الاحتلال بإعدام مواطن "بدم بارد".

وأضاف للجزيرة نت أنهم يتابعون القضية منذ أكثر من ثماني سنوات وتحملوا كل المضايقات والصلف الإسرائيلي وإجراءات الاحتلال المقيتة بتأجيل ومماطلة جلسات سماع الشهود والنطق بالحكم.

وأكد أن المدعية العامة الإسرائيلية حاولت خلال استجوابها الشهود تلفيق تهم بأن الشهيد كان مسلحا كما ادعى الجنود، وأنه حاول الفرار من المكان.

عبد الرحمن دراغمة: رفعنا الدعوى لتعرية جريمة الاحتلال (الجزيرة)

قرار المحكمة
وأقرت المحكمة مطلع سبتمبر/أيلول الماضي بتعويض عائلة الشهيد ماديا ودفع تكاليف المحكمة وأتعاب المحامي المقدرة بنحو ستة آلاف دولار وتحديد التاسع من ديسمبر/كانون الأول القادم موعدا لتحديد مبلغ التعويض.

وقال فراس جبالي محامي الدفاع عن الشهيد إنه استطاع وبالاستناد لكلام الشهود وتناقض روايات جنود الاحتلال أن يثبت للمحكمة عدم صحة الادعاء الإسرائيلي، وأن يدحض افتراءات وكذب الجنود، وأكد أن الشهيد قُتل نتيجة "استهتارهم".

وأضاف للجزيرة نت أن تقرير الطب الشرعي بيّن أن الشهيد أصيب برصاصة من الخلف ووصل المستشفى "جثة هامدة".

ولم يستبعد المحامي أن يستأنف الاحتلال وكعادته على الحكم لدى المحكمة المركزية العليا، لكنه استبعد إحداث تغييرات جوهرية فيه "كونه ناجما عن قناعة القاضي والمحكمة بصدق الرواية الفلسطينية"، مشيرا إلى نجاح القضية يُسجل كـ"سابقة".

ويعفي القانوني الإسرائيلي الجنود من أي تهمة أو مسؤولية إذا أثبت أن القضية ناتجة عن عمل عسكري، وهو ما لم يستطع إثباته في قضية الشهيد دراغمة، وفق كريم جبران من مؤسسة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية.

التعويض فقط
وقال جبران للجزيرة نت إنه ورغم ذلك أقرت المحكمة بالقضية المدنية وهي التعويض المادي، في حين أن الجانب الجنائي ومحاسبة الجنود أنفسهم أغلق ملفه ولم يُحقق فيه.

وتفرض إسرائيل بالعادة إجراءات مشددة لمنع الفلسطينيين من التقدم بشكاوى ومقاضاة جنود الاحتلال، إذ تطلب منهم مبالغ مالية ضخمة تودع في صندوق المحكمة لتحمل النفقات في حال خسارة القضية، وتعمد لتمديد المحاكم فترات طويلة.

كما توفر لجنودها كل الوثائق والأدلة الداعمة لرواياتهم ولا تخضعهم للتحقيق المطلوب، وتحاول تجيير القضايا تحت قانون "حالة حرب" لحرمان المدنيين من التعويض.

ولفت جبران إلى أنهم في بتسيلم ومن خلال تجاربهم المريرة فإن الاحتلال يسعى دوما لإفشال كافة القضايا وخاصة الجانب الجنائي منها، إلا أن بعضها ينجح نتيجة لسياسة المحامين وحنكتهم.

محمد أبو علان نبه إلى عدم اعتماد رواية جنود الاحتلال بمثل هذه الحوادث (الجزيرة)

مسؤولية الإعلام
من جهته طالب الإعلامي وخبير الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان -المتابع لقضية الشهيد- الصحفيين الفلسطينيين بتوخي الدقة بنقل مثل هذه الأخبار وعدم اعتماد رواية الجنود التي يستغلها القضاء الإسرائيلي لاحقا لتبرئة ساحة جيشه كالادعاء ضد أي فلسطيني يقتلوه بأنه كان مسلحا وحاول مهاجمتهم.

ورحبت عائلة الشهيد دراغمة بقرار المحكمة، وقالت والدة زكريا إنها تأمل أن يُنصف القضاء عائلة نجلها ويخفف من معاناة أطفاله الخمسة.

وفي المقابل تعيش عائلة اسليم بمدينة نابلس قلقا دائما جراء مراوغة الاحتلال في التعامل مع شكواهم المقدمة ضد جنود الاحتلال الذين قتلوا ابنها إيهاب وجرحوا شقيقه بهاء بقذيفة ألقوها عليهم داخل منزلهم عام 2004.

وتتذرع سلطات الاحتلال -حسب قول بهاء اسليم للجزيرة نت- بأن المحاكم لم تعد تستقبل هذه القضايا، وأن الجنود لم يعترفوا بفعلتهم وأن القضية انتهت بفعل "تقادم" السنوات.

المصدر : الجزيرة