وفق محللين، فإن تجديد البرلمان التركي تفويض الجيش بالتدخل في سوريا والعراق أملته التطورات المتعلقة بمشروع السلام مع الأكراد وتقدم تنظيم الدولة باتجاه الحدود التركية، ولم يستبعد المراقبون تنفيذ التنظيم هجمات ضد تركيا ردا على هذا التفويض.

خليل مبروك-إسطنبول

تزامنت موافقة البرلمان التركي على طلب الحكومة تجديد التفويض بتحرك الجيش في حال تعرض البلاد إلى خطر خارجي، مع تصاعد التوتر الميداني على الحدود مع سوريا.

وجدد البرلمان مساء أمس الخميس بأغلبية 298 صوتا من أصل 396، تفويض القوات المسلحة باستخدام القوة في سوريا والعراق، ومنحها صلاحية اتخاذ إجراءات في حال وجود "أخطار متعلقة بالأمن القومي لتركيا".

وتشهد تركيا جدلا واسعا حول خلفيات هذا القرار وتداعياته المحتملة على البلاد ومدى ارتباطه بموقف أنقرة الذي يرفض المشاركة في التحالف الدولي العريض الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وخلص باحثون ومحللون سياسيون إلى أن تجديد التفويض للجيش بالتحرك يأتي في سياق التطورات المتعلقة بمشروع السلام مع الأكراد وتقدم تنظيم الدولة على الأرض باتجاه الحدود التركية السورية.

كما ربط هؤلاء التفويض بالتهديدات المحيطة بالقوات التركية المرابطة في سوريا عند ضريح سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية، إضافة إلى ارتفاع وتيرة تدفق اللاجئين إلى تركيا.

وقال الباحث في مركز البحوث الإستراتيجية بأنقرة جاهد توز إن قرار البرلمان لا يعني إعلانا للحرب على الحكومة السورية أو نظام بشار الأسد، لكنه تجديد لتفويض موجود أصلا يمنح الجيش القدرة على التحرك في الوقت المناسب لحماية البلاد ومصالحها من أي اعتداءات محتملة.

جاهد توز: أنقرة اتخذت إجراءات احترازية للدفاع عن مصالحها وسيادتها (الجزيرة نت)

تشريع احترازي
واستغرب توز في حديث للجزيرة نت وصف المعارضة وبعض وسائل الإعلام القرار بأنه تفويض بالحرب، مشيرا إلى أنه تشريع احترازي تلجأ له الدول الديمقراطية التي تحتكم في سلوكها إلى أصول قانونية.

ويستند القرار إلى المادة 92 من الدستور التركي الذي يقرن صلاحية السماح بإرسال الجيش إلى دول أخرى بمراعاة القوانين الدولية وحالات الحرب.

وكان زعيم المعارضة التركية ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال قلتشدار أوغلو أعلن عند تقديم مشروع القرار للبرلمان يوم الثلاثاء الماضي أن كتلته ستصوت ضده.

لكن ذلك لم يعطل القرار بالنظر لامتلاك حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفائه الأغلبية البرلمانية اللازمة لإقرار المشروع.

وانتقدت المعارضة في أكثر من تصريح صحفي القرار بعد إقراره من البرلمان، ووصفته بأنه خطوة لجرّ الجيش إلى حرب ليست لتركيا مصلحة فيها.

لكن الباحث جاهد توز قال إن التطورات تتطلب بقاء تركيا متيقظة، وأن تبقي قواتها في حالة جاهزية للتحرك، ومن بين هذه التطورات -في نظره- ما أحرزه تنظيم الدولة من تقدم باتجاه الحدود التركية في الأسابيع الأخيرة، وتزايد عدد اللاجئين الوافدين إلى البلاد.

وقال إن دخول أكثر من 160 ألف لاجئ سوري عبر الحدود في أسبوعين خلق حالة تستغلها "بعض الجهات الإرهابية "مثل تنظيم الدولة الإسلامية وحزب العمال الكردستاني" لتهريب المقاتلين والسلاح الذي يمكن أن يستخدم ضد أي طرف مثل تركيا.

وأشار توز إلى أن موقف أنقرة لم يتغير تجاه الحلف الدولي ضد تنظيم الدولة، لكنها "اتخذت إجراءات احترازية تمكنها من الدفاع عن حقوقها ومصالحها وسيادتها في ضوء أي تطورات".

وقلّل باحثون وخبراء أتراك من أهمية ردود فعل تنظيم الدولة الإسلامية على القرار التركي، لكنهم لم يستبعدوا إمكانية مبادرته بتنفيذ هجمات ضد تركيا.

واعتبر الكاتب والمحلل السياسي مصطفى أوزغان تعرض البلاد لهجمات من قبل تنظيم الدولة أمرا واردا في الحسبان، وإن كانت احتمالاته ضئيلة، مؤكدا أن أحدا لا يمكنه التنبؤ بمدى واقعية هذا الأمر.

مصطفى أوزغان لم يستبعد تنفيذ تنظيم الدولة الإسلامية هجمات ضد تركيا (الجزيرة نت)

سيناريوهان
ورداً على سؤال للجزيرة نت، أشار أوزغان إلى أن تجديد التفويض بالتدخل التركي في سوريا والعراق يمكن أن يترجم من خلال سيناريوهين اثنين: أولهما إرسال قوات برية للدفاع عن الجنود الأتراك في ضريح سليمان شاه، والثاني إقامة منطقة عازلة محظورة على الطيران بمشاركة دولية أو بإمكانيات تركية محضة.

وكان تنظيم الدولة هدد باستهداف الجنود الأتراك المرابطين في الضريح الواقع على بعد عشرين كيلومترا من الحدود التركية داخل الأراضي السورية.

ويعتبر الضريح جزءا من تركيا ومنطقة خاضعة لسيادتها وفق الاتفاقيات الدولية.

وأكد أوزغان أن تجديد التفويض للجيش التركي بالتدخل يعود إلى كثير من التغيرات، أبرزها تمكن أنقرة من تحرير رعاياها الذين كان تنظيم الدولة يحتجزهم في مدينة الموصل شمال العراق.

كما عزا القرار إلى أسباب أخرى من بينها خشية تركيا من ارتكاب تنظيم الدولة مجازر كبرى في المناطق التي يقاتل فيها خاصة في منطقة مدينة عين العرب المعروفة لدى الأكراد باسم "كوباني".

وكان رئيس حزب العمال الكردستاني المعتقل لدى تركيا عبد الله أوجلان حذر من أن سقوط المدينة بيد تنظيم الدولة سيعرقل جهود السلام بين أنقرة والأكراد، وهو ذات الموقف الذي أكده حزب الشعب الديمقراطي ذو الطابع الكردي.

ووفقا لأوزغان، فإن هذه التطورات تزيد من حرص أنقرة على منع وصول تنظيم الدولة للمدينة حتى لا تنهار مسيرة السلام الداخلية مع الأكراد.

المصدر : الجزيرة