رغم أن الإجماع الوطني غاية يلتقي حولها الجزائريون فقد أصبح طرحه من قبل حزب جبهة القوى الاشتراكية أخيرا محلا للتساؤل وموضوعا لحسابات ومكاسب سياسية بعد نحو عامين على استقالة زعيم الحزب التاريخي حسين آيت أحمد.

ياسين بودهان-الجزائر

يشكك قطاع من المعارضة الجزائرية في مبادرة "الإجماع الوطني" التي أطلقها حزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) واتهم الحزب بـ"القيام بدور لحساب السلطة" رغم ترحيب أصوات أخرى بها.

وفي الفترة الأخيرة شرع الأفافاس في سلسلة لقاءات مع الطبقة السياسية المعارضة والموالية للسلطة تحت مسمى "مبادرة الإجماع الوطني"، بغرض فتح حوار يجمع المعارضة مع السلطة.

ويعد الأفافاس أقدم حزب معارض في الجزائر، تأسس بعد الثورة وترأسه الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد الذي انسحب من رئاسته عام 2012، بعد أزمة سياسية عاصفة بالحزب إثر انسحاب السكرتير الأول كريم طابو وعدد من القيادات.

ويعتبر البعض مبادرة الحزب الجديدة "حملة علاقات عامة لحزب غاب عن الساحة السياسية". ويتهمه آخرون بالقيام بدور سياسي لفائدة النظام مقابل ترتيبات غير معلومة هدفها تشتيت المعارضة التي توافقت على أرضية سياسية للانتقال الديمقراطي أطلق عليها "مبادرة زرالدة".

 فراد: جبهة القوى الاشتراكية تخلت عن مبادئها وهي تغازل السلطة (الجزيرة نت)

تخل
ويرى محند أرزقي فراد عضو هيئة التنسيق والمشاورة التي تضم أحزابا وشخصيات معارضة أن جبهة القوى الاشتراكية "تخلت عن مبادئها وقيمها التي ظلت تناضل من أجلها لعقود".

ويقول فراد إن التحول الأبرز في توجهات الحزب بدأ مع انسحاب آيت أحمد، حيث شرع الحزب حينها "في مغازلة النظام الذي كان يصفه بالشمولي ويرفض إبراز مواقفه من قضايا سياسية مهمة، مثل الوضع الصحي للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وشغور منصب الرئيس".

وحسب فراد فإن الهدف من مبادرة الإجماع الوطني هو "تجاوز أرضية زرالدة التي وضعت خريطة طريق للانتقال الديمقراطي، والتي اجتمعت عليها بشكل غير مسبوق المعارضة، والدليل على ذلك هو رفض الحزب الاستجابة لدعوة المعارضة للمشاركة في هذه المبادرة، رغم أنه يقول الآن إنه حريص على الإجماع الوطني".
 
وأكد فراد أن "المعارضة ترحب بأي حوار مع السلطة شريطة مناقشة أرضية الانتقال الديمقراطي"، لكنه يضيف أنها "تخشى أن تزكي جبهة القوى الاشتراكية مشروع التوريث مقابل حصتها في السلطة".

 بوقطاية يدافع عن المبادرة (الجزيرة)

دفاع
على النقيض من هذا الموقف رحب القيادي في حزب جبهة التحرير الوطني الصادق بوقطاية بمبادرة "الإجماع الوطني"، وذكر أن قيادة حزبه اجتمعت مع أصحاب المبادرة، وناقشوا الكثير من القضايا المطروحة والمتعلقة بالفكرة، لكن لم يتم الاتفاق على أي التزامات بين الطرفين.

وأضاف أن "المشاورات بينت أن الأفافاس يريد إحداث التغيير من داخل المؤسسات، وليس بواسطة الشارع أو الفوضى، وذلك بالنظر إلى الظروف الإقليمية والدولية التي تحيط بالجزائر، وهو ما يحسب لأصحاب المبادرة، التي تعد دليلا على أن الأفافاس لديه أفكار أكثر تطورا من باقي الأحزاب المعارضة الأخرى، والتي بقيت أسيرة لأفكار تجاوزها الزمن مثل الحديث عن تزوير الانتخابات وعدم شرعية الرئيس".

أما الإعلامي نجيب بلحيمر فيرى أن فكرة الإجماع الوطني "ليست جديدة أصلا، لأن إعادة بناء الإجماع الوطني كانت مطلبا قديما للحزب ينسجم مع فكرة المجلس التأسيسي التي طالما تشبث بها كشرط لتجاوز أزمة الشرعية التي ظل النظام السياسي يعاني منها منذ الاستقلال".

ولفت إلى أن الحزب برر دعوته هذه بالمخاطر التي تواجهها الجزائر داخليا وخارجيا، خاصة تلك التي قد تنجم عن انهيار النظام، وانتقال عدوى ما يحدث في بعض البلدان العربية سوريا وليبيا تحديدا.

وقال إنه يمكن قراءة موقف الحزب من زاوية سعيه إلى استثمار حاجة السلطة والمعارضة إليه، باعتباره حزبا معارضا "ذا مصداقية لتحقيق تسوية تاريخية تعيد تأسيس الدولة الجزائرية على قواعد جديدة، ومن هذه الزاوية قد تكون المبادرة صياغة جديدة لمطلب المجلس التأسيس، رغم أن الآلية تبدو مختلفة تماما".

المصدر : الجزيرة