سجلت المفوضية العليا لحقوق الإنسان بالعراق 371 حالة انتحار في عموم البلاد عام 2013، كان منها 119 في محافظة ذي قار وحدها. كما شهدت المحافظة تسجيل 74 حالة انتحار في النصف الأول من العام الحالي.

عبد الله الرفاعي-ذي قار

لم يكد مصطفى يبلغ الثامنة عشرة من عمره حتى أقدم على إنهاء حياته بطريقة مأساوية، ليجده ذووه وقد "شنق" نفسه بحبل غليظ، لافظاً أنفاسه الأخيرة وحيداً.

المأساة كما يصفها صلاح غني (أحد أفراد الأسرة) للجزيرة نت كبيرة ومؤلمة للغاية، حيث إن مصطفى كان من المتفوقين دراسياً والمشهورين بالذكاء والنبوغ، فضلا عن إجادة اللغة الإنجليزية.

لكن في الآونة الأخيرة، بدأ مصطفى يعيش في واد غير الذي يعيشه غيره، فحديثه بدا مختلفاً عما يدور حوله، وكان يعيش باغتراب واضح، لكنه لم يبدِ أي تصرفات غريبة حتى قبيل لحظات من إقدامه على الانتحار.

وتابع غني "كان في اللحظات الأخيرة قد بدا هادئاً وساكناً، ووجدنا كتابه الدراسي وقد أغلقه بعد وضع قلمه في إحدى الصفحات".

موعد مع الموت
أما "م.خ" فهي صاحبة قصة انتحار أخرى، حيث لم تدرك أن ساعات بدء العام الدراسي في البلاد ستكون آخر لحظات عمرها، حيث تعمل مدرسة بإحدى ثانويات ذي قار، وهي المتخرجة حديثاً ولم تتجاوز الخامسة والعشرين ربيعاً، إلا أنها اختارت إيقاف عجلة حياتها عن الدوران بعد أن لفّت حبلا يتدلى من أعلى غرفتها حول عنقها، تاركةً خلفها أمًّا ثكلى وأوجاعا لا تنسى بين من يعرفها.

أما "ع.ع" الذي يبلغ التاسعة والخمسين عاماً ففضّل أن يطلق رصاصة الرحمة على رأسه وسط منزله في الناصرية مركز محافظة ذي قار، والأسباب مجهولة.

وكشف باحث نفسي عن تصدر محافظة ذي قار (380 كلم جنوب العاصمة بغداد) المحافظات العراقية في نسبة المنتحرين، فبينما سجلت المفوضية العليا لحقوق الإنسان 371 حالة انتحار في عموم البلاد عام 2013، سجلت محافظة ذي قار لوحدها 119 حالة، في حين تشير الإحصائيات المتوافرة عن عام 2014 ولغاية يوليو/تموز الماضي تسجيل 74 حالة انتحار في المحافظة، مما يعني أن الرقم قابل للارتفاع عن العام الماضي.

أشواق الزهيري: الضغط الاجتماعي
في مقدمة أسباب الانتحار (الجزيرة نت)

إفرازات التحولات
يقول الأستاذ بجامعة البصرة عبد الباري الحمداني للجزيرة نت إن الأرقام ملفتة للنظر، فذي قار من المحافظات الهادئة نسبياً والتي لا تعاني اضطرابات أمنية أو سياسية واضحة، كما أنها من المناطق التقليدية المحافظة، لكنها رغم ذلك تتصدر المحافظات العراقية لمدة خمسة أعوام متتالية في أعداد المنتحرين.

ويجيب الحمداني عبر دراسة أجراها مؤخراً وضمت أرقاماً وتحليلاً لهذه الحالات، بأن هناك خللاً قيمياً في المجتمع، كما أن هناك أسباباً متنوعة تدفع بالكثيرين للانتحار، منها الحياء والإهمال أو محاولة وأد فضيحة بالنسبة للإناث والفشل الدراسي، وفقدان العمل أو عدم الحصول عليه أصلاً، وكذلك الإدمان على المخدرات أو المهدئات، أو الشعور بالاكتئاب والاغتراب والتناقض الإدراكي الذي أفرزته التحولات الكبيرة التي طرأت على المجتمع العراقي.

الفقر والإعلام
وفي محاولة لمعرفة الجهد الحكومي للحد من انتشار هذه الظاهرة، قابلت الجزيرة نت رئيسة لجنة التخطيط والتنمية في مجلس ذي قار أشواق الزهيري التي عملت عام 2011 في لجنة خصصت لدراسة الظاهرة، حيث اعتبرت أن الفقر المدقع الذي تعيشه محافظة ذي قار التي تصنف من بين أكثر المحافظات العراقية فقراً، يقف في طليعة الأسباب التي تدفع بالكثير من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و35 عاماً إلى الانتحار.

وأضافت أشواق أن اللجنة توصلت في تحقيقاتها إلى أن هناك دوافع أخرى للانتحار، منها الضغط الاجتماعي على الشباب، والفراغ النفسي والعاطفي الذي يشعر به، مضافاً إلى ذلك غياب المراكز المتخصصة بالعلاج النفسي، وهي كلها أسباب تزيد من نمو الظاهرة.

وأشارت إلى أن الطفرة الهائلة في وسائل الاتصال وانفتاح البلاد على التقنيات الحديثة وخصوصاً في مجال الإعلام، تؤثر كثيراً في زيادة وتكريس حالة الاغتراب لدى الشباب، الأمر الذي يدفعهم إلى محاولة التعبيرعن ذلك ولو عبر الانتحار.

المصدر : الجزيرة