ينظر بعض المراقبين بإيجابية لاعترافات قطبي الصراع المسلح في جنوب السودان بتحمل مسؤولية الدمار والخسائر جراء الحرب، باعتبارها ستدفع عجلة المفاوضات القادمة في أديس أبابا نهاية الشهر الجاري، فيما يراها آخرون عملية كسب للوقت ليس أكثر.

مثيانق شريل-جوبا

لم تجد اعترافات قطبي الصراع المسلح في دولة جنوب السودان الرئيس سلفاكير ميارديت، ونائبه السابق زعيم المتمردين رياك مشار، بمسؤوليتهما عن كل العنف الذي شهدته البلاد، الترحيب الذي كان متوقعا في الشارع السياسي.

غير أن مراقبين يرون أنه من شأن هذه الاعترافات أن تدفع كرة المفاوضات بين الطرفين إلى الأمام في جولة محادثات السلام القادمة في أديس أبابا نهاية الشهر الجاري، ويتوقعون تحقيق نتائج إيجابية على الصعيد السياسي والعسكري.

ويؤكد ذلك أن هذا الإقرار جاء بعد اتفاق كل فصائل حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان على إعادة الوحدة فيما بينها داخل منظومة سياسية لوقف الحرب وتحقيق السلام في أحدث دول العالم استقلالا.

وكان كل من سلفاكير ومشار قد أقرا في حديثهما بختام جولة من المحادثات الداخلية بين فرقاء حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان -والتي عقدت في مدينة أروشا التنزانية بمبادرة من الحزب الثوري الحاكم- بالمسؤولية الجماعية في نشوب الحرب التي ألحقت خسائر كبيرة بحياة وممتلكات شعب جنوب السودان، وأشارا إلى أن خلافاتهما قد تقود إلى تفتيت البلاد على أسس عرقية.

زعيما الصراع المسلح في جنوب السودان سلفاكير (يمين) ورياك مشار (الجزيرة)

تشاؤم
ويرى مواطنون أن هذا الإقرار بالمسؤولية لن يؤدي إلى إحياء الآلاف من الأبرياء الذين قتلوا بسبب خلافات سياسية مشحونة بتعبئة إثنية وسط أكبر قبيلتين في البلاد (الدينكا والنوير).

ونوه بعض المواطنين في حديثهم للجزيرة نت إلى أن الزعيمين عليهما الإسراع من أجل تحقيق السلام في البلاد، وتكوين حكومة انتقالية تحقق المصالحة بين المجتمعات المحلية، وتحاسب المتورطين في أحداث العنف التي شهدتها البلاد.

وترى المواطنة كيجي جون أن افتقاد قيادة البلاد للحكمة والروح الوطنية هو ما أدى إلى أحداث القتل والدمار في البلاد. ونوهت في حديثها إلى أن هذا الاعتراف لن يكون صادقا حال غياب الإرادة السياسية للزعيمين لوقف الحرب وإحلال السلام.

وتقود الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (الإيغاد) منذ اندلاع المواجهات المسلحة بجنوب السودان في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، جهود وساطة لتقريب وجهات نظر طرفي الصراع نحو تحقيق تسوية سياسية تنهي الحرب الدائرة في البلاد.

وبين الحين والآخر تواجه الإيغاد اتهامات من أطراف الصراع بعدم الحياد والانحياز إلى فئات معينة في محادثات السلام، التي يشارك فيها المعتقلون السياسيون السابقون من قادة الحزب، بالإضافة إلى رجال الدين المسيحي والإسلامي ومنظمات المجتمع المدني.

 أوكوك: اعتراف الزعيمين لم يتضمن اعتذارا للشعب عن الدمار والقتل (الجزيرة)

التداعيات
ويرى المحلل السياسي جيمس أوكوك أن الإقرار الذي تم من قبل الزعيمين لم يتضمن أي اعتذار لشعب جنوب السودان عن كل القتل والتشريد والدمار الذي حدث في البلاد.

وقال متحدثا للجزيرة نت إن تجاهل هذا الأمر يؤكد "عدم جدية الطرفين وغيابا للإرادة السياسية لوقف الحرب في أسرع وقت ممكن". ولم يستبعد أوكوك أن يكون هذا الاجتماع مجرد تكتيك آخر لإضاعة الوقت، والتظاهر أمام المجتمع الدولي بأنهم يسعون إلى تحقيق السلام.

ومنذ اندلاع المواجهات المسلحة في ديسمبر/كانون الأول الماضي تعرض آلاف المدنيين للقتل القائم على الأساس الإثني، وقامت منظمات إنسانية وحقوقية بتسجيل الكثير من حالات العنف الجنسي ضد النساء، بالإضافة إلى التجنيد القسري للأطفال للمشاركة في الحرب. وحذرت منظمات إنسانية أيضا من احتمال تعرض جنوب السودان لأسوأ مجاعة مع استمرار المواجهات المسلحة بين الطرفين.

ويرى خبير أمني مقيم في جوبا -فضل حجب اسمه- لحساسية منصبه، أن "التزام الطرفين بتعهداتهم على وقف الحرب سيؤدي إلى تحقيق نوع معقول من الاستقرار الأمني في أغلب مناطق البلاد على الصعيد الميداني".

لكنه أكد في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن الأوضاع العسكرية ستظل مرهونة بالنتائج التي ستفضي لها جولة محادثات السلام، التي من المقرر أن تنطلق في أديس أبابا نهاية الشهر الجاري، وتوقع أن يؤدي انهيار المحادثات إلى أسوأ مواجهات عسكرية بين الطرفين.

المصدر : الجزيرة