رغم توالي اعتداءات مستوطنين على مقدسات إسلامية ومسيحية وأملاك خاصة لفلسطينيين ضمن ما يعرف بـ"تدفيع الثمن"، فإن سلطات الاحتلال لم تحاسب أو تتعقب أيا من الفاعلين، وهي تعتبرهم قوة خاصة تعمل بسرية تصعب ملاحقتها.

وديع عواودة-حيفا

كما في الاعتداءات السابقة الكثيرة، لم يُعتقل أحد من الجناة الذين أقدموا على إحراق مسجد قرية عقربة بقضاء نابلس قبل ثلاثة أيام، في إطار ما يعرف بـ"تدفيع الثمن"، وهي جرائم كراهية يرتكبها متطرفون يهود بحق مقدسات الفلسطينيين وأملاكهم على طرفي الخط الأخضر منذ عام 2008.

وتؤكد دراسة جديدة صادرة عن مركز "دراسات الكرمل" في حيفا داخل أراضي 48 أن جماعات "تدفيع الثمن" الإسرائيلية جزء من العقيدة الاستيطانية الإسرائيلية.

وتشمل عمليات "تدفيع الثمن" إلقاء حجارة على السيارات الفلسطينية، ومهاجمة قرى فلسطينية، وإلحاق أضرار بأملاك الفلسطينيين وحقولهم، مثل قطع أشجار الزيتون، وحتى إحراق المساجد والكنائس، وتكسير شواهد القبور. وفي معظم الأحيان يقترن ذلك بكتابة شعارات عنصرية ضد العرب والمسلمين إلى جانب عبارة "تدفيع الثمن".

وتشير الدراسة إلى أن المستوطنين نفذوا اعتداءات "تدفيع الثمن" على نطاق واسع إثر قرار الحكومة الإسرائيلية -في نوفمبر/تشرين الثاني 2009- تعليق أعمال بناء جديدة في المستوطنات في الضفة الغربية عشرة أشهر، كان أبرز هذه الاعتداءات إحراق مسجد في قرية ياسوف في محافظة نابلس.

شعارات عنصرية كتبتها "تدفيع الثمن" على جدران مسجد الرحمة بالفريديس (الجزيرة)

الخط الأخضر
وبحسب الدراسة، فإن هذه الاعتداءات امتدت إلى داخل الخط الأخضر قبل ثلاث سنوات، ومن بينها إحراق مسجد طوبا في صفد، وتدنيس مقبرة الشيخ عز الدين القسام. كما ألحق متطرفون يهود، قبل ذلك، أضرارا بكنيسة "الطابغة" في طبريا، ووصلت رسالة تهديد إلى مطران طائفة اللاتين في الناصرة بولس ماركوتسو، تطالب المسيحيين بالخروج من البلاد.

وتشدد الدراسة -التي أعدها الخبير بالشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت- أن "الجهازين القضائي والأمني في إسرائيل يغضّان الطرف عن ممارسات هذه الجماعات، ولا يتعاملان بجدية لكبحها وإلقاء القبض على المنفذين. وبذلك يوفران هامش حركة واسعا لهذه الجماعات".

وخلال الأشهر القليلة الماضية تزايدت حدّة الاعتداءات التي يرتكبها مستوطنون يهود، وتحديدا المنضوون تحت مجموعة "شبيبة التلال"، بحسب الدراسة.

مستوطنة يتسهار
وردا على سؤال الجزيرة نت، قالت لوبا السمري الناطقة العربية باسم الشرطة الإسرائيلية إن هذه الجماعات نفذت حتى الآن ستمائة اعتداء على الفلسطينيين. زاعمة أن "قوى الأمن تبذل جهودا كبيرة من أجل مقاضاة المعتدين. لكنهم يعملون بسرية عالية ويصعب تعقبهم".

وتنقل الدراسة عن مراسل صحيفة هآرتس لشؤون الاستيطان حاييم ليفينسون أن اجتثاث حركة "تدفيع الثمن" عملية معقدة لأنها غير هرمية، فليس لديها قيادة أو ميزانية أو حساب في البنك، بل هي فكرة نشأت في (مستوطنة) يتسهار عام 2008، وهي لا تحتاج إلى أكثر من أيديولوجيا عنصرية، وغريزة مغامرة وبضعة دولارات لشراء بخّاخ ومواد حارقة وآلة حادة.

وتنقل الدراسة عن المستوطنين قولهم إن "هدف هذه الاعتداءات هو منع حكومات إسرائيل من إجلاء بؤر استيطانية وهدم مبان أقيمت من دون تصاريح بناء، وردع فلسطينيين عن تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية".

فلسطينيو 48 يحملون الحكومة الإسرائيلية مسؤولية جرائم "تدفيع الثمن" (الجزيرة)

قوات خاصة
لكن الدراسة لا تقبل هذا التبرير، وتشير إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يمتنع عن التنديد الصارم بهذه الاعتداءات العنصرية. مكتفيا بالقول إن "سلطات الأمن تعمل من أجل القبض على المسؤولين عنها".

وهذا ما تؤكده منظمة "بتسيلم" لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة. موضحة أن التحقيقات التي قامت بها تظهر أن "قوات الأمن الإسرائيلية تدخلت فقط في مراحل متأخرة نسبياً من الأحداث وتتهمها بعدم الرغبة في مكافحتها".

وللتدليل على استنتاجاتها، تشير الدراسة إلى انتقادات مهمة صدرت من الرئيس الأسبق لجهاز الشاباك، كرمي غيلون، الذي أكد قبل شهور أن بإمكان الشاباك في غضون فترة وجيزة وضع حدّ لجرائم "تدفيع الثمن"، مشددا على أن "مكافحة هذه العمليات لم تنجح حتى الآن بسبب عدم وجود نية حقيقية لمكافحتها".

ويؤكد الباحث مطانس شحادة أحد المحررين المشرفين على الدراسة -في حديثه للجزيرة نت- أن أهم استنتاجاتها هو أن جماعات "تدفيع الثمن" تشكل سيفاً للاستيطان الإسرائيلي، بموازاة كونها "قوات خاصة للمشروع الصهيوني الاستعماري برمته".

المصدر : الجزيرة