شكلت حركة الشعوب من أجل الحرية والكرامة نقيضا لظاهرتين شغلتا المنطقة العربية وهما التدخل العسكري الأجنبي والإرهاب الذي لاذ بالصمت لأكثر من عام، وساهمت محاولات إفشال هذه الحركة التغييرية العفوية والسلمية بإعادة التدخل الأجنبي والإرهاب إلى الواجهة.

محمد أفزاز-الدوحة

افتتحت في العاصمة القطرية الدوحة اليوم السبت ندوة متخصصة تحت عنوان "المنطقة العربية من ثورات الشعوب إلى ساحة التنافس الإقليمي والدولي"، أكد المشاركون فيها على أن الإصرار على إفشال الثورات العربية أسفر عن إعادة التدخل الأجنبي من جديد إلى المنطقة وأيقظ ظاهرة الإرهاب بعد غياب استمر لأكثر من عام.

وعبر عدد من المتحدثين في الندوة -التي نظمها المركز العربي للأبحاث والدراسات- عن قناعتهم بأن حركة الشعوب نحو التغيير وتكريس الديمقراطية ستتواصل خلال المرحلة المقبلة لكن بدرجة أكثر وعيا وتنظيما من ذي قبل.

وقال رئيس المركز المفكر العربي عزمي بشارة خلال افتتاح الندوة، إن حركة الشعوب من أجل الحرية والكرامة شكلت نقيضا لظاهرتين شغلتا المنطقة العربية وهما التدخل العسكري الأجنبي والإرهاب الذي لاذ بالصمت مدة عام وأكثر.

وأضاف أن محاولات إفشال هذه الحركة التغييرية العفوية والسلمية باستخدام العنف المفرط وتخويف الناس من الفوضى وتهميش تطلعات الشعوب، ما لبث أن أعاد التدخل الأجنبي والإرهاب إلى الواجهة.

لغة المصالح
وأوضح بشارة أن حركة الشعوب العربية جاءت بقائمة مطالب اعتبرت حلولا للبيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجت الطائفية السياسية والإرهاب والتبعية والتدخل الأجنبي، لكن جرى في ما بعد تهميش هذه المطالب لتسود لغة المصالح ورهانات الربح والخسارة بأبعادها الجيو-إستراتيجية بدلا عن النقاشات الداخلية حول العدالة والحرية والتنمية.

وأكد في تصريح للجزيرة نت أنه في حال اقتصرت المواجهة الدولية لتنظيم الدولة على البعد العسكري فإن هذا النموذج من التطرف سيتم تصديره لعدد من الدول الأخرى، بينما في حال تفهمت الدول قضايا وتطلعات شعوبها فإن هذه الظواهر من شأنها أن تنحصر.

وعبر عن اعتقاده بأن انحسار مواجهة خروج الجماهير للفضاء العمومي لا يعني نهايتها، متوقعا عودتها من جديد بنضج ووعي كبيرين، وقال إن الثورات العربية تعد أهم تجربة حدثت خلال قرن من الزمن، مشيرا إلى أنها تعكس حركة تغيير مستمرة في الزمان حتى تحقيق الديمقراطية.

غليون: اعتبر أن استخدام فزاعة التطرف الإسلامي أعاد الأجنبي للمنطقة (الجزيرة)

الثورة المضادة
بدوره أوضح الرئيس السابق للائتلاف السوري برهان غليون أن الثورات العربية انطلقت في محاولة لانتزاع  هامش من المبادرة، وفي سياق استعادة الشعوب لإرادتها في إحداث التغيير، بعد سنوات من الإجهاز الحقيقي على فرص التحول والتطور والتبعية للأجندة الغربية، غير أن الثورة المضادة تحركت سريعا لإجهاض هذه المساعي.

وأكد أن إستراتيجيات الثورة المضادة قامت باستخدام فزاعة التطرف الإسلامي لاستدعاء التدخل الأجنبي بغرض السيطرة على حركة الشعوب، وعبر عن اعتقاده بأن تنظيم الدولة الإسلامية شكل مدخلا لإعادة ترتيب أوضاع الإقليم على أساس الحرب على الإرهاب وليس استنادا إلى تطلعات الشعوب نحو التحرر والديمقراطية.

وفي تصريح للجزيرة نت عبر غليون عن اعتقاده بأن حركة الشعوب العربية من أجل انتزاع حقوقها وحريتها -بما فيها إقامة نظام إقليمي يضمن التنمية والأمن والسلام- لن تتوقف.

وقال إن الثورات العربية شكلت امتدادا لسلسلة كفاحات طويلة دامت أكثر من ثلاثين سنة بأشكال مختلفة، وإن استمراراها أمر حتمي برغم الصعوبات التي تواجهها في ظل وجود ثورة مضادة.

من جهته رأى الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مروان قبلان أن تصرفات الثورة المضادة هي من استدعى من جديد التدخل الأجنبي لمواجهة خطر الإرهاب.

أميركا بالمنطقة
واعتبر قبلان أن عودة الولايات المتحدة الأميركية إلى المنطقة العربية جاء في ضوء تمدد تنظيم الدولة، وقال إن التدخل الأميركي هذه المرة لم يأت بغرض إعادة الاستقرار للمنطقة بل جاء بهدف احتواء تنظيم الدولة، وتوقع أن يؤدي هذا التدخل إلى انحسار دور عدد من القوى الإقٌليمية وعلى رأسها السعودية ومصر وإيران.

أما الباحث العراقي فالح عبد الجبار فأشار إلى أن دخول تنظيم الدولة للموصل كشف عن هشاشة دولة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي مما استدعى ضرورة استبدالها، وبين أن الأزمة العراقية أزمة مؤسسات.

ولفت إلى أن المالكي ضخم من حجم الخطر السني لأجل خطب ود الناخب الشيعي، بيد أنه وجد نفسه في حالة تصادم مع الشيعة والأكراد أنفسهم قبل السنة.

وتشهد الندوة -التي تستمر حتى الأحد- طرح نحو خمسة عشر ورقة بحثية من طرف أكاديميين وباحثين من مختلف الدول العربية.

وتتناول هذه الأوراق البحثية بالوصف والتحليل قضايا انهيار الدولة وصعود تنظيم الدولة،
ومواقف اللاعبين الإقليميين من هذه التطورات، وسياسات دول الخليج العربي تجاه المتغيرات السياسية بالمنطقة، وتداعيات عودة التدخل الأميركي لهذه المنطقة في ظل تنامي قوة تنظيم الدولة.

المصدر : الجزيرة