العلاقات الأميركية التركية القوية في جوانبها العسكرية والسياسية، باتت مؤخرا على المحك بحكم عدم استجابة أنقرة لمطالب واشنطن بشأن طبيعة المشاركة في الحرب على تنظيم الدولة، مما أدى لتصريحات متناقضة ومواقف متباينة من مسؤولي البلدين.

خليل مبروك-إسطنبول

وضع التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية العلاقات التركية الأميركية على المحك، فبينما تطالب واشنطن أنقرة بتدخل عملي في الحرب، تصر الأخيرة على عدم تجاوز حدود الإسناد اللوجستي.

وفيما بدا للوهلة الأولى تجاوباً تركياً مع الضغوط الغربية، نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين في وزارة الدفاع (بنتاغون) مطلع الأسبوع الحالي أن واشنطن تلقت موافقة أنقرة على السماح باستخدام قاعدة ومنشآت عسكرية قريبة من الحدود مع سوريا في عمليات ضد التنظيم.

لكن بولنت أرينج نائب رئيس الوزراء التركي سارع لنفي الخبر. وقال في تصريحات رسمية الاثنين الماضي إنه لا يوجد أي جديد بشأن استخدام قاعدة إنجيرلك الجوية ضد تنظيم الدولة.

وعبّر عن هذا الموقف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو حيث جدد التأكيد على تصريحات أرينج بعد ساعات من صدورها.

وأظهر التباين الجلي في التصريحات بين الجانبين التركي والأميركي أهمية الموقف من التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية في رسم حدود العلاقات بين الحليفين الشريكين في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

غل: تركيا لن تدخل الحرب ضد تنظيم الدولة دون الاستجابة لمطالبها (الجزيرة نت)

أسباب الالتباس
وأرجع الكاتب والمحلل السياسي محمد زاهد غل الالتباس في فهم مواقف أنقرة تجاه الانضمام إلى التحالف الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة إلى الخطأ في تفسير تجديد تفويض البرلمان التركي للجيش بالتدخل في العراق وسوريا.

وقال غل للجزيرة نت إن مذكرة التفويض التي أقرها البرلمان في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري تشمل السماح للقوات الأجنبية باستخدام الأراضي والمنشآت العسكرية التركية لتنفيذ عمليات في سوريا والعراق. ونبه إلى أن هذا التفويض مبدئي ولا يعني إعلان الحرب على أي من الدولتين.

وأوضح الخبير السياسي أن مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس فسرت هذا التفويض خطأ حين اعتبرته قبولاً تركياً بالانضمام للحلف على تنظيم الدولة ضمن المعطيات القائمة حاليا.

وكانت رايس قالت لشبكة "أن بي سي" إن تركيا وافقت أخيراً على السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها وأراضيها لتدريب قوات معارضة سورية معتدلة والقيام بأنشطة داخل العراق وسوريا.

وأشار غل إلى أن تركيا لن تدخل الحرب على تنظيم الدولة دون الاستجابة لمطالبها المتعلقة بإنشاء منطقة آمنة تشمل حظر الطيران على حدودها الجنوبية، ومعالجة الأزمة في سوريا بشكل جذري يشمل بتسليح المعارضة والتخلص من نظام بشار الأسد.

ووصف غل القرار البرلماني التركي القاضي بتجديد التفويض للجيش بالتدخل في سوريا والعراق بالورقة السياسية الرابحة التي مكنت أنقرة من التفاوض بشأن مطالبها.

وقال إن تركيا تدفع ثمنا سياسيا باهظا مقابل تمسكها بموقفها من الحرب من خلال تحميلها المسؤولية عن سقوط عين العرب (كوباني) بيد تنظيم الدولة.

من ناحيته، أوضح الكاتب والمحلل السياسي الدكتور سعيد الحاج أن تركيا تحدد مواقفها تجاه الانخراط في التحالف ضد تنظيم الدولة بناء على مدى تعرض مصالحها وأمنها للخطر خاصة فيما يتعلق بالحدود وضريح سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية، كما تربط قراراتها بمقدار استجابة الغرب لشروطها المتعلقة بالأزمة السورية.

الحاج: أنقرة بدأت تميل لاتخاذ مواقف أكثر تقدما للمشاركة في الحرب (الجزيرة نت)

مواقف متقدمة
وأشار للجزيرة نت إلى أن تركيا لم تبد رفضا للانخراط في التحالف ضد تنظيم الدولة أصلا.

وقال إن أنقرة بدأت تميل لاتخاذ مواقف أكثر تقدما للمشاركة في الحرب بعدما كانت تريد قصر مشاركتها في التحالف على الدعم اللوجستي وتقرنه بشروطها المتعلقة بضمان أمن الحدود وتسليح المعارضة السورية.

ولم يستبعد المحلل السياسي أن تكون أنقرة قد توصلت لاتفاق مع واشنطن على فتح قواعدها العسكرية لقوات التحالف ضد تنظيم الدولة رغم نفي الحكومة التركية لذلك.

وأشار الحاج إلى عدة قرائن ترجح التقارب بين واشنطن وأنقرة حيال هذا الموضوع.

وقال إن من مؤشرات التقارب إبداء واشنطن موافقتها المبدئية على المطلب التركي بإقامة المنطقة العازلة واستعدادها لمناقشة الجانب الأسهل في الاشتراطات التركية وهو تسليح المعارضة السورية.

ولم يستبعد إمكانية أن يكون هذا التقارب ثمرة لضغوط واشنطن على أنقرة خاصة بعد سقوط مدينة عين العرب بيد مقاتلي تنظيم الدولة.

وكان وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو قد أعلن أن أنقرة وواشنطن اتفقتا على بعض النقاط بخصوص تدريب مقاتلين من المعارضة السورية وتجهيزهم، مشددا على رغبة بلاده بالعمل ضمن إستراتيجية شاملة ومفصلة ومتفق عليها بهذا الصدد.

المصدر : الجزيرة