الدروز لم يعودوا يثقون في إسرائيل ومؤسساتها لكنهم لم يلتحموا بعمقهم العربي والفلسطيني. هذا الواقع دفع كوكبة من المحللين والباحثين لتشخيص واقع هذه الطائفة ودعوة قيادات الداخل لاحتضانها والتعالي على خطاب العمالة والتخوين.

وديع عواودة-الناصرة

يتفق عدد من الباحثين والناشطين من أبناء الطائفة الدرزية على أن الهوة تتسع بينهم وبين إسرائيل، ويدعون إلى تكريس الجهود للعودة لأحضان الشعب الفلسطيني بالتثقيف والمزيد من التواصل بعيدا عن خطاب التخوين.

وجاءت هذه الدعوات على هامش ندوة عقدها مركز الدراسات الاجتماعية التطبيقية (مدى الكرمل) السبت في الناصرة بهدف قراءة واقع العرب الدروز في إسرائيل بموضوعية ورؤية علمية.

ويعتبر الباحث يسري خيزران أن تناول الجزئية الخاصة بدروز 48 (10% من فلسطينيي الداخل) ضرورة مهمة للمعرفة وللمصلحة الوطنية. ودعا للترفع عن خطاب المؤامرة وتخوين دروز الداخل وإبراز التنوع كامتياز قيمي لا نقطة ضعف.

ويعتقد خيزران أن إسرائيل نجحت لحد بعيد في مشروعها الاستعماري التاريخي بفصل العرب الدروز عن شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية والإسلامية بواسطة فرض الخدمة العسكرية عليهم عام 1954 وإنشاء مناهج تعليمية خاصة بهم وغيرها، مما انعكس سلبا على الهوية والسلوك السياسي.

بالمقابل يرى المحاضر في العلوم السياسية في جامعة تل أبيب البروفيسور أمل جمال أن العرب الدروز بأجيالهم الراهنة اليوم يدركون أن إسرائيل قد خانتهم وصادرت 60% من أراضيهم وحاولت استغلالهم لتحقيق مآربها الاستعمارية، ولذا فهم يبحثون عن حاضنة بديلة.

يشار إلى أن الحكم العسكري (1948-1966) شمل أيضا قرى الطائفة الدرزية وصادر 60% من أراضيها.

الدراسات توضح أن دروز 48 لم يعودوا يرغبون في اتباع إسرائيل (الجزيرة نت)

العقيدة والسلوك
ويرفض جمال الربط بين العقيدة الدينية لدى الدروز وبين سلوكهم السياسي وعمل قسم منهم "كمرتزقة" بالجيش الإسرائيلي. ودعا لتحليل واقعهم بدل زندقتهم "رغم أن قياداتهم ما زالت ترتكب أخطاء".

ويرى جمال أن سلوكيات الدروز في إسرائيل تنبع من حقيقة كونهم أقلية تشعر بالتهديد أحيانا وتسعى للبقاء مثلها مثل الأقليات الصغيرة في العالم لاسيما في مناطق النزاع والواقع الطائفي كالهنود في جنوب أميركا اللاتينية والكويك في كندا والمسلمين في الهند.

ويشدد على أن العرب الدروز في إسرائيل اليوم ما زالوا عالقين بين مطرقة التخوين وسندان العمالة، معتبرا ذلك جزءا من مظاهر منظومة السيطرة التي رعتها إسرائيل لخلق وعي درزي جديد برعاية طبقة برجوازية مرتبطة بها من خلال مصادر عمل في الأجهزة الأمنية.

وقال جمال إن إسرائيل فشلت في فصل الدروز عن شعبهم بالكامل, ويرى أن رأب الصدع ممكن بإنشاء وعي جديد. بيد أنه نبه إلى أن ابتعاد الدروز عن إسرائيل اليوم لا يعني القرب من الحركة الوطنية الفلسطينية.

لكنه أشار إلى أن 90% من مثقفي بني معروف يرون أنفسهم عربا أو فلسطينيين، كما نبّه لتصاعد قوة الحراك الشبابي المناهض للخدمة العسكرية في البلدات الدرزية.

ويتفق الشيخ نمر نمر مع أمل جمال في تشخيصه لواقع الدروز اليوم، ويطالب قيادات فلسطينيي الداخل باستغلال الهوة المتزايدة بين الدروز وإسرائيل.

ونوه إلى أن الفرصة سانحة لاستغلال "نقاط التحوّل" هذه رغم أن التحولات الإقليمية تنطوي على نكسات وعي وتساعد السلطات الإسرائيلية على صيانة نظام السيطرة التقليدي.

نمر: الفرصة سانحة لاستغلال نقاط التحول لدى الطائفة الدرزية (الجزيرة نت)

جيل الشباب
ويلاحظ الناشط السياسي الشاب وسام سويد أن الدروز باتوا أبعد اليوم بكثير عن إسرائيل، لكنهم لم يستعيدوا حتى الآن هويتهم العربية والفلسطينية.

ويقول إنهم في مرحلة وسطى من العودة للذات والتأمل لأنهم لم يجدوا بعد حاضنة قومية.

ويعزو ازدياد الهوة بين إسرائيل والدروز لانتشار الثقافة والوعي نتيجة ارتفاع نسبة البنات الدرزيات في الجامعات، علاوة على الانفتاح والثورة المعلوماتية التي كسرت احتكار إسرائيل للحقائق.

كما لفت إلى أن تشدد العنصرية الصهيونية ضد غير اليهود ساهم في حالة الوعي التي يعيشها أبناء الطائفة الدرزية.

ويتفق سويد مع جماّل ونمر في أن دور قادة فلسطينيي الداخل في عودة الدروز لمجتمعهم الفلسطيني ما زال غائبا. ويتابع "المجاملات الاجتماعية ربما تكون واسعة لكنها غير كافية وليست بديلا مؤسساتيا".

يشار إلى أن مؤتمرات هرتزليا الأمنية الأخيرة أكدت أن ثقة الدروز بإسرائيل ومؤسساتها تواصل انخفاضها بنسبة كبيرة. وحذرت إسرائيل من فقدان هذه الطائفة ودعت لاحتوائها.

المصدر : الجزيرة