تستحضر قصة أم الأسير فارس بارود -بعد أن تجاوزت عقدها الثامن- جانبا من قصتي سيدنا أيوب ويعقوب عليهما السلام بصبرها واحتسابها وابيضاض عينيها من الحزن المكظوم، لحرمانها من زيارة وحيدها الأسير منذ أكثر من أربعة وعشرين عاما.

أم فارس تحمل صورة ابنها الأسير منذ أكثر من أربعة وعشرين عاما (الجزيرة)
 
أحمد فياض-غزة

تستحضر قصة أم الأسير الفلسطيني فارس بارود -بعد أن تجاوزت عقدها الثامن- جانبا من قصتي سيدنا أيوب ويعقوب عليهما السلام بصبرها واحتسابها وابيضاض عينيها من الحزن المكظوم، لحرمانها من زيارة وحيدها الأسير منذ أكثر من أربعة وعشرين عاما.

وتعتبر حكاية أم فارس مع السجان الإسرائيلي مثالا لمن يريد معرفة الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لم يكتفِ بخطف ابنها اليتيم وتركها وحيدة في منزلها في مخيم الشاطئ للاجئين، بل أمعن في تعذيبها والتنكيل بها عبر موقفين شديدين كادا يوديان بحياتها.
 
كان الأول عندما منعها من زيارة وحيدها قبل 12 عاما، وهو ما تسبب بفقدها بصرها من شدة حزنها عليه، والثاني عندما أراد الاحتلال أن ينال منها كي يكسر قلب ابنها عبر إبلاغها أنه سيكون من بين دفعة المحررين الأخيرة ومن ثم تراجع عن ذلك، وهو ما تسبب في سقوطها مغشيا عليها بعد تبدد فرحتها المتلهفة.

وتقول المسنة الفلسطينية -التي التقتها الجزيرة نت في منزل شقيقة فارس من والده والتي أصرت على اصطحابها معها خشية على حياتها- "إن منعي من زيارة ابني بحجة انتمائه لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)  قبل 12 عاما آلمني كثيرا، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبكي على وحيدي، وفقدت بصري من شدة شوقي له وحزني عليه".
 
وتضيف الأم المكلومة أنها تعيش في منزلها في مخيم الشاطئ للاجئين، ولا يزال يحدوها الأمل في أن يمد الله في عمرها كي تحتضن ابنها وتقبله وتطمئن أنه بات حرا طليقا وتسلمه ملابسه التي تحتفظ بها ومفاتيح المنزل وتزغرد له في عرسه قبل أن توافيها المنية.

أم أياد شقيقة فارس من أبيه
على يسار صورة الأسير (الجزيرة)

لحظات الألم
وتذكر العجوز أن أكثر اللحظات ألما على نفسها عندما أبلغت أن فارس سيتحرر في "صفقة شاليط" وما أعقبها من صفقات، وكانت في كل مرة تصاب بالإحباط  لعدم ورود اسم ابنها بين قوائم أسماء المحررين.

ولكن الصدمة -التي كانت أشد إيلاما على نفس أم فارس- هي ورود اسم ابنها في قائمة المحررين في الصفقة الأخيرة ومن ثم معاودة سحبه، وهو ما أصابها بانهيار تطلب نقلها المستشفى، وذلك بعد أن غمرتها الفرحة وراحت تجهز غرفة ابنها لاستقباله وتنشر ملابسه في ضوء الشمس كي تبقى دافئة حين يأتي ليرتديها.

ومع ذلك تشكر العجوز الله عز وجل على حالها، وترجوه أن يعيد عليها في القريب الأجواء التي أعقبت إشاعة الاحتلال خبر تحرر ابنها، بقولها "يا رب ترجع تلك اللحظات التي تجمّع فيها سكان المخيم أمام الدار، وبدؤوا إعداد العدة لاستقبال فارس، فمنهم من بدأ يخط على الجدران التهاني بقدوم فارس والكل غمرته الفرحة، لأني لن أعود أعيش وحيدة".

وتابعت "تلك الأجواء دفعتني إلى المطالبة بتحضير الحافلات لاستقبال فارس على المعبر وجلب الكراسي من أجل مراسم استقبال ابني، ولكن الله ما أراد أن يكتب له الإفراج، وأنا لا أعترض على حكم الله".

حريص على الطاعة 
وتقول العجوز أيضا، إنها تشعر دائما بأنها مكسورة الخاطر لا تقوى على الخروج من المنزل وتحرص على القيام بواجباتها الحياتية بمفردها بناء على تعودها على أماكن المنزل الذي لا ترى مقتنياته، ولكنها تحرص على تفقدها باللمس بما في ذلك حجرة نوم ابنها فارس التي عمدت إلى تحضيرها وتأثيثها قبل عامين لتوقعها خروجه في إطار صفقة شاليط.

وعن الأسير فارس تقول الأم إنه كان حريصا على طاعتها أشد الحرص ودائم البحث عن كل ما يلزمها، وهو ما افتقدته طوال 24 عاما لم يدخل عليها أثناءها سوى ابنة شقيقة فارس من أبيه في الشهر مرتين أو ثلاثا لتوفير ما يلزمها، ثم تعود إلى تعود إلى منزل زوجها.

وبدا وضع المسنة النفسي أفضل مما كانت عليه بفضل تلقيها اتصالا هاتفيا من ابنها فارس من داخل السجن، مطالبا إياها بأن تحافظ على نفسها كي تقوى على استقباله في دفعة المحررين الرابعة المتوقعة في مارس/آذار القادم، وذلك الاتصال كان له وقع السحر، بحسب شقيقة فارس من أبيه على نفس العجوز، وجعلها تستعيد عافيتها وتشعر بأن موعد أمنيتها باحتضانه بات قريبا.

المصدر : الجزيرة