مراكز نبع الحياة في الغوطة الشرقية تقدم الدعم النفسي للأطفال لإخراجهم من واقعهم المرير (الجزيرة)

سلافة جبور-دمشق

للحياة كما للفرح نبعٌ، وللحرية ثمن يدفعه كل من يريد الانعتاق من ربقة ما يراه ظلماً من الحاكم أو السلطة في بلاده. ولعل الأطفال والنساء هم من تشاء الأقدار أن يكونوا الضحايا الأبرياء في كل صراع ينشب في بلدهم.

ولعل غوطة دمشق الشرقية تقف مثالاً حياً وشاهداً على بلدة ثارت قبل ثلاث سنوات في وجه النظام الحاكم في سوريا، وهي لهذا السبب تعاني من حملات عسكرية وحصار خانق حرم عشرات آلاف المدنيين فيها من أبسط حقوقهم.

واليوم، ورغم الحصار المفروض على الغوطة، يصر الكثير من شبانها من الجنسين على زرع الأمل والفرح فيها. ومجد هو أحد أولئك الشبان الذين التقت بهم الجزيرة نت ليحدثها عن مشروعه الذي أطلق عليه اسم مركز "نبع الحياة".

يقول مجد إن تحويل النظام سوريا إلى ساحة حرب وتأثير ذلك الكبير على الأطفال والأمهات -وهم الفئة الأشد ضعفاً- علاوة على القصف الممنهج للمدارس وحرمان الأطفال من حق التعليم، هو ما دفعه للتفكير في إيجاد بديل ملائم لتعليم الأطفال.

أطفال في أحد مراكز نبع الحياة في الغوطة الشرقية (الجزيرة)

تعليم ودعم نفسي
ويؤكد مجد أن هدفه الأساسي هو إيجاد بيئة آمنة للطفل تضمن حقوقه التي سُلبت منه بسبب ما سماه وحشية النظام. وقد ساعده عمله السابق مع منظمة الهلال الأحمر العربي السوري ومنظمة اليونيسيف في مشاريع الأماكن الصديقة للطفل مع اللاجئين العراقيين، في وضع حجر الأساس للمشروع في مارس/آذار من العام الماضي.

ويشرح مجد طبيعة النشاطات المجانية ضمن مراكز "نبع الحياة" فيقول: "نهتم بتقديم الدعم النفسي للأطفال بهدف إخراجهم من واقعهم المرير من خلال أنشطة هادفة تسمح بتدفق مشاعرهم السلبية وتساعدهم على التغلب على العزلة والخوف المفروضين عليهم، كما نقوم بأنشطة خاصة للأطفال الذين يعانون من مشاكل في النطق أو اضطرابات في التركيز أو التعلم، كالغناء والمسرح التفاعلي والرسم الجماعي".

أما عن التعليم، فيتبع المركز منهجية التعلم من خلال اللعب، كما يهدف لسد الثغرات الناجمة عن انقطاع الكثير من الأطفال عن الدراسة لفترات طويلة، ويشمل دورات في اللغتين العربية والإنجليزية ودورات في الرياضيات والمفاهيم الأساسية للطفل.

ويتابع مجد حديثه فيقول إن من أحب النشاطات إلى قلوب الأطفال هي الحكواتي الذي يقوم بتعليمهم قيماً معينة كأهمية النظافة والحفاظ على البيئة من خلال حكاياته الطريفة.

وإضافة إلى ذلك، يقول مجد إن المركز يقوم بدورات لليافعين كتعلم الحاسوب وتقنيات التقديم الإذاعي، وكذلك تم تخصيص قسم لتمكين السيدات خاصة اللواتي فقدن معيلهن، حيث يتم تعليمهن اللغتين الإنجليزية والفرنسية وتقنيات الحاسوب والحياكة، مما يتيح لهن أن يصبحن أكثر فاعلية في المجتمع.

أطفال في أحد مراكز نبع الحياة في الغوطة الشرقية (الجزيرة)

صعوبات وحلول
ورغم الوضع الصعب في ظل الحصار فإن الإرادة القوية والرغبة في التغيير تتغلب على أية عوائق، ذلك ما يؤكده مجد إذ يقول إن البدائل متوفرة دوماً، وإن الرغبة في تجاوز ويلات الحرب أقوى من الحصار.

ويضيف قائلا إن "أهم التحديات التي تواجهنا هي الحصار والقصف. ذلك يجبرنا على اختيار أماكن معينة للعمل كالأقبية البعيدة عن اتجاه القصف، لكننا نجد دوماً تعاوناً رائعاً من الأهالي الذين يساعدوننا حتى في تأمين بعض المستلزمات كالمقاعد والقرطاسية، وكذلك تنظيف الأماكن وتقديم بعض الخدمات اليومية المطلوبة".

أما الحصار، فلم يترك لمجد ورفاقه بداً من العمل حتى على صنع دفاتر وألعاب ودمى للأطفال بأنفسهم، كما فرض عليهم صعوبات كثيرة كتأمين المياه والمحروقات التي ارتفع سعرها بشكل كبير في الغوطة لكنها ضرورية لضمان استمرار عمل المراكز.

"نبع الحياة" بدأ كمركز وحيد في بلدة مسرابا في الغوطة الشرقية، مع كادر مؤهل من المتطوعين الذين رغبوا في العمل مع الأطفال، وبتمويل بسيط غير مشروط من بعض المنظمات الإنسانية ذات الهدف الإنساني، ليصل اليوم إلى خمسة مراكز في أماكن مختلفة ضمن الغوطة تستقبل مئات الأطفال، متحدية بذلك أقسى أنواع الحرب والحصار التي يمكن أن يعيش إنسان في ظلها، على حد تعبير مجد.

المصدر : الجزيرة