رفيقي: أنا متقين من أن حزب العدالة والتنمية سيفوز إن نظمت انتخابات أخرى بالمغرب (الجزيرة نت)

حاوره/ المختار العبلاوي
 
قال الشيخ السلفي المغربي محمد عبد الوهاب رفيقي المعروف بأبو حفص إن الربيع العربي أحدث "زلزلة في الفكر السلفي"، ودفع أغلبية حركات التيار إلى الاقتناع بأهمية المشاركة السياسية "بعد سنوات من التحريم". وانتقد النهج "البراغماتي" الذي سلكه حزب النور السلفي بمصر قبل ثورة 25 يناير وما بعدها.

وفي الشأن المغربي قال رفيقي -الذي سُجن تسع سنوات على خلفية تفجيرات 16 مايو/أيار 2003 بالدار البيضاء- إن هناك ما بين 400 و500 معتقل على خلفية تلك التفجيرات ما زالوا قابعين في السجون، اتهموا "ظلما" في سياق الحرب الأميركية على "الإرهاب"، داعيا إلى الإفراج عنهم.

فعلى هامش ندوة "السلفية في العالم العربي تطورات، تيارات وجماعات" التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات نهاية الأسبوع المنصرم، اعتبر رفيقي -نائب الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة المغربي- أن ثورات الشعوب أجبرت التيار السلفي على مراجعة سلم الأولويات بعد أن "كان مشغولا بمعارك قديمة".

ولفت إلى أن الحركات السلفية في العالم العربي تتبنى رؤى سياسية مختلفة، إلا أن الربيع العربي كان له دور هام في الدفع بغالبيتها إلى الثقة في العمل السياسي الذي لطالما حرمته.

وفي تفصيل أوضاع بعض الحركات السلفية في بعض البلدان العربية، انتقد رفيقي براغماتية الأداء السياسي لحزب النور السلفي، وقال إنه انعكس سلبا على أداء الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية وعلى المشهد السياسي العام في مصر. وفيما يلي نص الحوار:

ما أهم الخلاصات التي خرجت بها ندوة "السلفية في العالم العربي، تصورات، تيارات وجماعات" بالدوحة؟

إن كان من شيء خرجت به هذه الندوة فهو الاتفاق على أنه ليس للسلفية تعريف محدد وأنه يصعب إعطاء تعريف أكاديمي لهذه الظاهرة، بل وقع الخلاف بين المشاركين في توصيف هذه الظاهرة أصلا.

وفي الحقيقة لم تستطع الندوة أن تحسم هذا الأمر، لا من حيث التوصيف ولا التعريف، ولو أقيمت ندوات أخرى فإنه سيكون من الصعب وضع تعريف محدد لتعقد الظاهرة وبسبب تنوع التشكيلات التي تمثلها أو تدعي تمثيلها ولكثرة الاختلافات داخل هذا التيار نفسه.

مع ذلك، قد يكون التعريف الدارج هو أن السلفية هي اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، لكن مع ذلك يبقى هذا التعريف فضفاضا وواسعا وعند تمثله يقع كثير من الاختلاف والتشظي. وخلال يومين من أشغال الندوة يمكن القول إن المشاركين اقتنعوا بوجود تعددية كبيرة داخل التيار السلفي.
كيف تقيمون تعاطي التيار السلفي مع الربيع العربي؟
هناك تيارات رفضت رفضا مطلقا ما جرى من حراك خلال الربيع العربي وكان لهم موقف سلبي جدا من الثورات العربية، وبقوا على هذا الموقف إلى الآن، رافضين كل ما حصل، ومن ذلك الاحتجاج السلمي على السلطة. وهؤلاء لا يزالون متشبثين بالأقوال التي كانوا ينشرونها قبل الربيع العربي.

البعض الآخر كان يؤمن قبل الربيع العربي بالعمل السياسي وليس له أي إشكال في هذا الأمر وبالتالي هذا التيار الذي يعرف بالسلفية الحركية طبعا تماهى مع أحداث الربيع العربي وكان في كثير من الأحيان أحد الموقدين والمساهمين فيها.

التيار الثالث كان يرفض أي عمل ضد السلطة ولو كان سلميا، يرفض كل وسائل الاحتجاج السلمي من مظاهرات وغير ذلك، وبقي على هذا الرأي إلى حين الربيع العربي وحدوث الثورات فلما رأى أن الثورة تميل لجهة الشعوب وجهة إنهاء حكم الطغاة والمستبدين غيّر رأيه بناء على هذا المستجد.
ما تقييمك للمشاركة السياسية لحزب النور السلفي بمصر؟
دخول حزب النور للعمل السياسي كان سلبيا جدا، لا على أداء الإخوان المسلمين، ولا على المشهد السياسي العام في مصر، ولا على الحركات الإسلامية بشكل عام.

العمل السياسي لحزب النور أو للدعوة السلفية كان دائما أداء سلبيا، ففي عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك حُرمت الدعوة السلفية من العمل السياسي ودخول الانتخابات، وكانت لها مواقف سلبية جدا، والسبب الذي دفعها لاتخاذ هذه المواقف -رغم أنه كان يغطيها بغطاء شرعي- كان الخضوع لمبارك في ذلك الوقت.

بعد الثورة لما رأى حزب النور بمنطق براغماتي محض وليس بمنطق شرعي أن الأمور أصبحت لصالح الثورة -وقد استنكر في البدء الكثير من أعضاء الدعوة السلفية مظاهرات ٢٥ يناير- غيّر الحزب موقفه.

وبسرعة حتى دون أن يحتاج إلى مراجعة الأدبيات السابقة التي كانت تحرم العمل السياسي بين عشية وضحاها انقلب الموقف من تحريم إلى تحليل، ومن قضية شرك وكفر إلى قضية مصلحة، ودخل حزب النور العمل السياسي.

وبعد مرور أشهر على وصول الرئيس المصري المعزول محمد مرسي إلى الحكم، خلص حزب النور إلى أن مرسي ليست بيده القوى الحقيقية للحكم ولا يتحكم في مراكز القوة (الجيش والإعلام والقضاء)، فانحاز حزب النور للفئة المعارضة لأنه يعلم أنها هي التي تمتلك الموازين الحقيقية للقوة.

وشخصيا لم أتفاجأ حينما دعّم حزب النور الانقلاب العسكري لأن موقفه كان منسجما مع المسار الذي اتخذه وهو المنطق البراغماتي المصلحي في الميل للجهة التي تملك القوة.
هل أحدث الربيع العربي تطويرا للفكر السلفي عموما؟
لا شك أن الربيع العربي أحدث زلزلة في الفكر السلفي، فبغض النظر عن بعض الذين دخلوا العمل السياسي من منطق مصلحي وبراغماتي، فإن ثورات الشعوب أجبرت التيار السلفي على مراجعة سلم الأولويات. فبعد أن كانت الحركات السلفية منشغلة بمعارك قديمة، صارت الآن أكثر احتكاكا بالعمل المجتمعي وبهموم وواقع الناس.

لننقل إلى الشق الثاني من هذا الحوار ويتعلق بالمغرب. قضيتم تسع سنوات في السجن قبل أن يتم العفو عنكم، ما الأسباب التي أودت بكم إلى السجن؟

طبعا دخولنا السجن كان في إطار حملة دولية شنتها الولايات المتحدة الأميركية في كل دول العالم بحجة مكافحة الإرهاب.

لقد كانت فترة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش من أسوأ العهود وأشدها على البلدان الإسلامية، ففي عهده وقع غزو أفغانستان ثم غزو العراق. وبحكم أنني كنت في هذا الوقت خطيب جمعة وداعية ومحاضرا، عارضت هذه السياسة في خطبي ومقالاتي، وهذا ما جعلني محل استهداف.

دخلت السجن لأول مرة بسبب خطبة جمعة عن فلسطين لمدة ستة أشهر وبعد ذلك تحولت إلى ثلاثة أشهر ثم خرجت من السجن، ومنعت بعدها من ممارسة أي نشاط دعوي. ومع ذلك أدخلت للسجن مرة أخرى رفقة الشيخ حسن الكتاني من دون أي تهم تذكر أشهرا قبل تفجيرات 16 مايو/أيار  2003 بالدار البيضاء.

وقعت أحداث 16 مايو/أيار وكنا نظن أننا بمنأى عنها بحكم أنها لا توافق المنهج الذي كنا نسير عليه، ومن ناحية ثانية وجودنا في السجن في ذلك الوقت أشهرا قبل وقوع الأحداث كان أكبر دليل على برائتنا وعلى عدم وجود أي علاقة بيننا وبين هذه الأحداث.

لكن فوجئنا بإقحامنا في هذه الأحداث وباتهامنا بأننا كنا المحرض على القيام بها وحوكمنا بثلاثين سنة، ثم بعد ذلك انخفض الحكم إلى ٢٥ سنة قضيت منها تسع سنوات إلى ما بعد الربيع العربي. 

لقد تم اعتبارنا المنظمين لأحداث 16 مايو/أيار رغم أننا كنا في السجن ولا تربطنا أي علاقة بالأشخاص الذين قالوا إنهم نفذوا تلك الهجمات باعترافهم في المحكمة.
من هي الجهة التي تقف في نظركم وراء أحداث ١٦ مايو؟
هذا سؤال يصعب الإجابة عنه، تلك التفجيرات هي لغز من الألغاز التي أظن أن التاريخ كفيل بأن يكشف كثيرا من خباياها.

ما ظهر أن مجموعة من الشباب هم الذين قاموا بتلك العملية، لكن السؤال الذي يطرح، من هي الجهة التي تقف وراء هؤلاء الشباب؟ ما هو الهدف من تلك التفجيرات؟.. هي أسئلة كثيرة لم تجب عنها لا محاضر الشرطة ولا الرواية الرسمية.

لكن يمكن النظر إلى الجواب من خلال الجهة التي استفادت من الحادث، الملاحظ سيجد أن جهات كثيرة استفادت من تداعياته، فمباشرة بعد وقوع التفجيرات، رأينا كيف أن الجهات الأمنية سجلت نقاطا لصالحها فيما سميت الحرب على الإرهاب، وكان من ذلك موفقة البرلمان على قانون الإرهاب بالإجماع، وهو القانون الذي كان يحظى بمعارضة أطراف عدة قبل الاعتداءات، كذلك وقع هجوم شرس على حزب العدالة والتنمية، ودعت جهات حزبية إلى حل هذا الحزب، كل هذه الأمور كانت مكاسب لبعض الجهات من هذه الأحداث وإنْ لم تكن خلفها.
هل بالإفراج عنكم طويت صفحة تفجيرات ١٦ مايو؟
عندما أفرج عني والشيخ حسن الكتاني والشيخ عمر الحدوشي مستفيدين من العفو الملكي، تركنا خلفنا عددا كبيرا من المعتقلين ما بين ٤٠٠ و٥٠٠ معتقل. وأنا متأكد من أن عددا كبيرا من هؤلاء أبرياء، اتهموا ظلما مثلنا.

لقد سعينا منذ خروجنا للدفع بهذا الملف ومحاولة حلحلته، والتخفيف من مدة العقوبة السجنية، وإخراج المعتقلين الذين براءتهم واضحة وناصعة، ويمكن لأي متتبع أن يحقق في ذلك ويتأكد بنفسه من أن هؤلاء لا علاقة لهم بما نسب إليهم.

بذلنا في ذلك محاولات كبيرة مع مجموعة من الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية وهيئات المجتمع المدني.. لم نترك بابا إلا وطرقناه إلا أنه للأسف الشديد في كل مرة يجد مستجد يحول دون تحقيق أي تقدم في هذا الملف.
كيف كانت تجربة السجن؟
تجربة السجن هي بالعموم تجربة مؤلمة، لكن مع الألم لا بد للإنسان أن يستفيد. خلال تسع سنوات تراكمت الكثير من المآسي والهموم والمضايقات، دخلنا فيها في إضرابات عن الطعام بلغت أحيانا شهرا كاملا.

لكن رغم ذلك استفدنا على المستوى المعرفي، فالسجن هيأ فرصة كبيرة للمطالعة والقراءة، ويسر لي هامشا زمنيا لم أكن أحلم به. لا شك أن هذه السنوات الطويلة من القراءة والمطالعة سيكون لها مردود على الأداء الفكري على ما سمي إعلاميا بـ"المراجعات"، وإن كان هذا المصطلح يطرح في سياق غير صحيح لكن لا شك أن فترة مثل هذه ستتيح للإنسان إجراء الكثير من المراجعات الفكرية.
ضمن المراجعات، هل تصوركم للمجتمع قبل دخولكم السجن هو نفسه تصوركم له بعد خروجكم منه؟

لا شك أن الانسان كلما زاد اطلاعا وتقدم في السن ازداد تجربة ونضجا، هذا أمر طبيعي خصوصا وأن المرحلة التي اعتقلنا فيها كانت مرحلة الشباب، ومعلوم أنها المرحلة التي يصل فيها الإنسان إلى أقصى مستويات حماسته.

النتيجة التي خرجنا بها بعد كل هذه الفترة أن الإنسان لا يجب أن يكون متعجلا ولا متهورا ولا متحمسا أكثر من القدر اللازم، ولا يعني ذلك أن يكون منبطحا أو انهزاميا أو يتنازل عن المبادئ الراسخة الأساسية التي هي نصرة الحق والدفاع عن المستضعفين، ولا شك أن تصريف هذه المبادئ يتم الآن بشكل أنضج وأكثر حكمة مما كان عليه الحال قبل السجن.
بعد خروجكم من السجن دخلتم إلى الحياة السياسية عبر حزب النهضة والفضيلة، لماذا اخترتم هذا الحزب؟

حزب النهضة والفضيلة هو الذي عرض علينا الدخول، ليس نحن من أجرينا عملية البحث عن الحزب الذي يقبل بدخولنا، وكان طبيعيا أن يكون عرضه هو الأولى بالدراسة.

بعد مشاورات مع الكثير من المشايخ والمفكرين والسياسيين ترجح لنا القبول بالعرض الذي قدمه لي الأمين العام للحزب محمد الخليدي، فقد منحنا صلاحيات عدة تمكننا من تنفيذ كثير من الآمال والأحلام التي تراودنا، كما أننا لم نجد أي مشكلة وأي عائق ولا أي مفسدة يمكن أن تترتب على مثل هذا العمل، يضاف إلى ذلك أن الحزب حديث النشأة والتأسيس.

النهضة والفضيلة ليس حزبا كاملا بحيث يصعب أن تجد لك مكانا بين أعضائه، هو الآن ينتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التطوير، وهو ما شجعنا على قبول عرض الحزب.
هل طرقتم أبواب أحزاب أخرى؟
نحن لم نطرق أبواب أي حزب، كنا ننتظر العروض أن تقدم وكان حزب النهضة والفضيلة أول عرض قدم في الموضوع فقبلنا به.
وماذا لو كان حزب العدالة والتنمية طرق أبوابكم؟
كنا سندرس الموضوع ونرى أيضا إمكانية الالتحاق لأنه مبدأيا ليس لدينا أي إشكال وعلاقتنا بحزب العدالة والتنمية علاقة جيدة إلى الآن.
كيف تقيمون تجربة العدالة والتنمية باعتباره الحزب الذي يقود الحكومة المغربية حاليا؟
لم أؤيد بشكل عام تولي الحركات الإسلامية للسلطة بعد الربيع العربي سواء أكان ذلك في المغرب، أو مصر أو تونس، بحكم أنها سترث تركة ثقيلة بكل ما فيها من أزمات وعراقيل وستحمل على ظهرها كل الإشكالات التي كانت في العهود السابقة.

لهذا كنت أفضل للحركات الإسلامية أن تبقى بعيدة عن الحكم. في المغرب، لا يزال حزب العدالة والتنمية يتمتع بشعبية كبيرة ولو أقيمت انتخابات أخرى أنا متيقن من أن حزب العدالة والتنمية هو الذي سيفوز مرة أخرى بالانتخابات.

ما أعجبني في تجربة هذا الحزب هو الحكومة الثانية التي استطاع فعلا رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بها أن يتجاوز مرحلة حرجة جدا تزامنت مع وقوع الانقلاب في مصر والانتكاسة التي وقعت في تونس.

أعتقد أن حزب العدالة والتنمية بحكمته وبالتوافق الحكومي -الذي استطاع أن يحصل عليه بعد تشكيل الحكومة الثانية بالمغرب- اجتاز مرحلة الخطر.

المصدر : الجزيرة