المركز الإسلامي في رييكا تحفة معمارية تزين البلدة (الجزيرة نت)

 

سيد أحمد زروق-كرواتيا

الآن وقد خارت قواه واحدودب ظهره وتثاقلت مشيته، ها هو إسمائيتش بن حامد أخيرا يرى بأم عينيه صرحا أضخم وأجمل من كل ما تصوره عندما قدم قبل ثلاثين عاما هو وبعض مسلمي يوغسلافيا السابقة طلبا لبناء مسجد في بلدة رييكا الكرواتية لتأدية ثاني أركان الإسلام.

لكن بعد حصولهم على الإذن عام 1989 وقبل أن يتمكنوا من مباشرة البناء، عصفت بالمنطقة تقلبات جذرية زلزلت كل شيء إلا تصميم هؤلاء القوم على إنجاز مشروعهم، فلم يثنهم تفكك الدولة التي منحتهم الإذن، ولا معارضة ساكني المنطقة العنيفة أحيانا، ولا حتى قلة ذات اليد عن الاستمرار في سعيهم لتحقيق حلمهم.

ويحدثك إسمائيتش بلغة عربية اختيرت ألفاظها بعناية رغم اللكنة التي تلفها، عن تلك الحقبة السوداء من تاريخ المنطقة، فيتذكر بمرارة كيف تقلص عدد المسلمين -وأغلبيتهم من البوسنيين- إلى النصف تقريبا في رييكا، بعدما أصبحت جزءا من دولة كرواتيا التي خرجت من رحم يوغسلافيا السابقة.

وفي العام 1997، يضيف إسمائيتش بعد أن يخبرك أنه تعلم العربية في الأزهر الشريف بمصر، أن سلطات الدولة الجديدة أعطت للمطالبين إذنا بإقامة المركز في منطقة بالبلدة المذكورة، لكن سرعان ما أجهضت المشروع احتجاجات السكان المحليين المناهضين له.

المركز استقبل أول مسابقة للقرآن الكريم مخصصة للناطقين بغير العربية (الجزيرة نت)

رحلة المائة ميل
ولم يفتّ كل ذلك في عضد القوم حسب قول إسمائيتش، فاستمروا في مسعاهم إلى أن حصلوا على أرض جديدة عام 2003، وبدأت رحلة من نوع آخر.. إنها رحلة المائة ميل لتحصيل التمويل.

وهنا يؤكد إمام المسجد ورئيس المركز خير الدين ميكانوفيتش أن قومه طرقوا أبواب مسلمي الغرب لتحصيل المال اللازم فلم يبخلوا عليهم، وتمكنوا من جمع أكثر من مليون يورو من سويسرا والبوسنة وغيرهما.. غير أن ذلك لم يكن يكفي إلا لإعداد الوثائق الرسمية، فأعدت التصاميم ووافق المجلس البلدي عليها عام 2006.

لكن.. كيف السبيل الآن إلى تجسيد هذا التصميم ذي الأهلة والقباب التي تربطه رمزيا بمكان العبادة وبالإسلام، والذي يراعي كذلك في تفاصيله خصوصية المدينة؟ يمّم القوم هذه المرة وجوههم إلى المشرق العربي يقول ميكانوفيتش، فكان أن حالفهم الحظ، إذ وجدوا متبرعا تكفل بكل تكاليف هذا الصرح الكبير.. إنه أمير دولة قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

ورغم تجاوز إسمائيتش الآن الستين من عمره وتقاعده من الإمامة، فإنه لا يخفي فرحه وسروره برؤية هذا الصرح الذي يؤكد أنه لم يكن يتصور مثله أبدا عندما تقدّم مع آخرين لطلب رخصة مصلى عام 1984.. كيف لا وهذا المبنى المهيب يضم -فضلا عن مئذنته التي يبلغ طولها 23م- مسجدا وروضة للأطفال ومطعما وقاعة محاضرات، ناهيك عن الساحات الخارجية ومواقف السيارات.

ويرفض ميكانوفيتش المجادلة في كون هذا المركز هو الأجمل من بين كل المراكز الإسلامية في أوروبا، فالمهم بالنسبة له ولإسمائيتش أنه اليوم صرح قائم، و"تحفة طال انتظارها" تستقبل اليوم أول مسابقة للقرآن الكريم مخصصة للناطقين بغير اللغة العربية يشارك فيها مائة متسابق ومتسابقة، وهي مسابقة الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني للقرآن الكريم.

المصدر : الجزيرة