بعض الخبراء يعتقدون أن اختيار توقيتٍ موافق لجمعة الغضب 2011 أمر مقصود من جانب السلطة (الفرنسية)

أنس زكي-القاهرة

لم تكن محاكمة عادية تلك التي شهدتها مصر الثلاثاء، فالرئيس المعزول محمد مرسي يمثل أمام القضاء مجددا ولكن هذه المرة في قضية أطلق عليها "قضية اقتحام السجون"، وتضم 131 متهما يتقدمهم مرسي، وتشمل عددا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين فضلا عن عناصر من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية وحزب الله اللبناني.

وفي ظل إجراءات أمنية مشددة للغاية باتت مألوفة في مثل هذا الحدث، كان اللافت والجديد في جلسة الثلاثاء ما أقدمت عليه السلطة الحالية في مصر من وضع الرئيس المعزول في قفص زجاجي حال بينه وبين الحضور، بينما كانت الدلالة واضحة في تزامن المحاكمة مع الذكرى الثالثة لما عرف بـ"جمعة الغضب" أحد أبرز الأيام في ثورة يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس السابق حسني مبارك.

ومنذ أن أعلن وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي -بدعم من قوى سياسية ودينية- عن خارطة سياسية جديدة في 3 يوليو/تموز الماضي تضمنت عزل مرسي وتعطيل الدستور، فقد ظل مرسي تحت سيطرة الجيش في مكان غير معروف حتى لأهله وذويه فضلا عن محاميه، ولم يظهر الرجل إلا في الجلسة الأولى لمحاكمته فيما عرف بقضية قتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية.

وفي تلك الجلسة كان لافتا أن السلطات أحجمت عن بث الجلسة على الهواء كي لا يصل صوت مرسي إلى أنصاره الذين ما زالوا يتظاهرون تمسكا بشرعيته، رغم تعرضهم لحملة قمعية أدت إلى مقتل المئات منهم وإصابة واعتقال الآلاف.

video

قفص زجاجي
وبدا أن السلطات قد تحسبت هذه المرة لظهور مرسي وخشيت من قيامه بتوجيه رسائل إلى أنصاره، ولذلك كان المشهد غير المسبوق بإيداعه في قفص زجاجي داخل المحكمة مع تحكم القاضي في المايكروفون الذي ينقل صوته للخارج، فضلا عن قيام التلفزيون الرسمي ببث لقطات قال إنها نقل حي للمحاكمة مع أن المتابع يدرك بسهولة أنها مسجلة وخضعت للتصرف.

وهاجم نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي ما حدث في الجلسة، واعتبر أحدهم أن وضع المتهمين داخل قفص زجاجي مع التدخل والاجتزاء في بث لقطات للمحاكمة يمثل جريمة مكتملة الأركان بحق الأجيال المصرية التي من حقها أن تعرف الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء وتسمع ردهم عليها.

لكن ما خطف الأضواء من القفص الزجاجي كان اختيار يوم 28 يناير/كانون الثاني ليكون موعدا للمحاكمة، حيث اعتبر نشطاء أن السلطة الحالية تخطو خطوة جديدة على طريق محاربتها لثورة 25 يناير، وهو ما ظهر قبل أيام قليلة في مشهد الاحتفال بذكرى الثورة الذي بدا غريبا بعدما منعت الشرطة قوى الثورة من دخول ميدان التحرير وسمحت في المقابل لأنصار مبارك وأنصار السيسي الذي يسعى للترشح للرئاسة بما يراه البعض استعادة العسكر للسلطة التي يسيطرون عليها منذ 1952.

وليد سلام: ما حدث هو في حقيقته خطوة جديدة على طريق محو الثورة (الجزيرة)

تزامن مقصود
ويعتقد المحلل السياسي وليد سلام أن اختيار هذا التوقيت أمر مقصود من جانب السلطة الحالية، ويضيف للجزيرة نت أن ما حدث هو في حقيقته خطوة جديدة على طريق محو الثورة، مدللا على ذلك بأن صحفا رسمية ذهبت في الأيام الأخيرة إلى حد وصف ثورة يناير بأنها نكسة.

وأضاف سلام وهو صحفي بالأهرام أن ما جرى في مقر المحكمة اليوم يمثل مهزلة، إذ بدا أن هناك تعمدا لإهانة الرجل دون مراعاة أنه أول رئيس يصل إلى السلطة عبر انتخابات حرة في مصر منذ زمن بعيد، كما أنه صاحب تاريخ سياسي فضلا عن كونه أستاذا مرموقا في الجامعة.

وختم سلام بالحديث عما وصفها بعلامات استفهام كثيرة تدور حول القضية التي يحاكم فيها مرسي، مضيفا أنه حتى لو ثبت أنه كان يستحق المحاكمة فقد كان المفروض أن يكون إلى جانبه في القفص أعضاء المجلس العسكري الذين سمحوا بوصوله إلى السلطة.

ومن جانبه، أكد الكاتب والمحلل قطب العربي أن اختيار الذكرى الثالثة لجمعة الغضب موعدا لمحاكمة مرسي وعدد من الرموز البارزة لثورة يناير/كانون الثاني يعني أن المحاكمة في الحقيقة هي لثورة يناير وقادتها الذين قاموا بدور بارز يوم 28 الذي مثل تطورا مهما في الثورة التي نجحت في مواجهة الرصاص وقنابل الغاز.

وأضاف العربي -وهو عضو باللجنة الإعلامية لحزب الحرية والعدالة- "واليوم حين انتصرت الثورة المضادة عبر الانقلاب العسكري كان لا بد أن يدفع قادة ثورة يناير الثمن، فتم تقديمهم للمحاكمة بتهمة الهرب من السجون وإحداث فوضى في مصر بالتعاون مع حركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، وذلك رغبة في الترويج للتهمة التي رددوها سابقا بوجود أياد أجنبية خلف الثورة".

المصدر : الجزيرة