محمد محسن وتد-رمية

على مساحة عشرات الدونمات تتجذر قرية رمية (بالجليل شمالي فلسطين) وتروي القرية فصول النكبة المتواصلة، وتشهد على مراحل مشروع الاحتلال الاستيطاني، ففي منازل الصفيح والزنك التي تجسد مخيمات اللجوء، تتشبث 44 عائلة فلسطينية بـ44 دونما من أصل أربعمائة دونم بملكية خاصة، صودرت لتوسيع مدينة كرمئيل التي أقيمت على الأراضي العربية ضمن مشروع تهويد الجليل واستيعاب الهجرة اليهودية.

وأضحت القرية التي هجرتها عشرات العائلات الفلسطينية قسرا بسبب مضايقات المؤسسة الإسرائيلية وشبح التوسع الاستيطاني لكرمئيل التي يقطنها نحو خمسين ألف يهودي، بمثابة فريسة سائغة بقلب الأحياء الاستيطانية التي تطوقها وتعمق من معاناة السكان الذين رغم حرمانهم مقومات الحياة الإنسانية ومنع الخدمات الأساسية والكهرباء والمياه عنهم يصرون على البقاء ويرفضون المساومة على الأرض.

ووسط هواجس التشريد والتهجير واتساع مسلسل التضييق والخنق، دخلت الجزيرة نت قرية رمية التي تحولت إلى جزيرة بقلب بحر استيطاني أخذت عواصفه التهويدية تشتد وترتفع لتوشك إغراق أكواخ الصفيح، وتنقلنا بين مشاهد الاستيطان والتهويد في كرمئيل، واستمعنا من سكان القرية حكايات المكان التي تسترجع ذكريات النكبة وتوثق مسيرة النضال وإصرار الأهالي على الصمود والبقاء والاستعداد للتضحية.

في رمية منازل صفيح للفلسطينيين وبنايات لليهود (الجزيرة)

هدم وتهجير
ويترقب السكان تنفيذ السلطات الإسرائيلية قرار المحكمة العليا بهدم المنازل وتشريد قاطنيها وإخلاء الأرض، وفق ما قال عضو اللجنة الشعبية للدفاع عن رمية وذلك بعد مداولات قضائية امتدت منذ عام 1991 رافقها نضال شعبي وجماهيري أرغم "دائرة أراضي إسرائيل" على العدول عن مخطط الهدم والتشريد، لتبرم تل أبيب عام 1995 اتفاقا مع الأهالي يقضي بالاعتراف بالقرية وترخيص المنازل ومنح السكان الخدمات، لكنها وبعد 23 عاما ومع مواصلة المد الاستيطاني نكثت الاتفاق وتصر على تدمير رمية وتهجير عائلاتها.

وأكد صلاح سواعد -في حديثه للجزيرة نت- أن السكان مصرون على البقاء بالأرض التي ورثوها عن أجدادهم، فمن المستحيل أن يغادروا القرية والتنازل عنها مهما كانت الأمور. وتابع أن الأهالي حسموا قرارهم إما العيش بكرامة فوق الأرض أو الموت والدفن في بطنها "وعدا ذلك لا يوجد لنا أي خيار، إذ أن البديل هو الاعتراف بالسكان والحق بالعيش الكريم في البيوت ومنحهم أبسط حقوق الإنسان المحرومين منها منذ قيام إسرائيل".

وتساءل موجها حديثه للمؤسسة الإسرائيلية التي تصر على تشريدهم وهدم منازلهم "أين نعيش، هل نشرد إلى الشوارع؟ نحن لم نذهب إلى كرمئيل، هي التي قدمت إلينا وباشروا بتهويد الجليل، فمن حقنا العيش بكرامة فوق أرضنا، ونرفض المساومة أو أي مقترح للتنازل عن قريتنا ومنازلنا، وسنبقى نناضل حتى لو كان خيارنا الوحيد هو الموت".

"باقون في رمية" إجماع للأهالي على الصمود ورفض التهجير (الجزيرة)

نضال وصمود
وذات التساؤلات تدور في ذهن الرجل التسعيني الحاج حمد سويد الذي عايش وقاوم الاستعمار البريطاني، ويواصل منذ النكبة النضال والتصدي للمخططات الإسرائيلية الهادفة لتشريد ما تبقى من وجود فلسطيني، واستحضرت مخيلته هواجس التهجير وبدا في حيرة من أمره قائلا "لا نعرف إلى أين سنذهب، لا يوجد لنا قرية بديلة، نسكن المكان قبل قيام إسرائيل وقدوم اليهود، لم يتركوا شيئا، كل فلسطين نهبوها".

ووصف الحاج حمد -في حديثه للجزيرة نت- حياة السكان وظروفهم المعيشة "بالزفت الأسود" وذلك مع حظر إسرائيل عليهم العمران والتوسع والبناء فوق أراضيهم، وحرمانهم مقومات الحياة الإنسانية والخدمات الأساسية من مياه وكهرباء.

وتساءل بنبرة من الآلام والحسرة والمرارة "أين العدالة..؟ هم عاشوا -بالإشارة إلى اليهود من أصول عربية- في الدول العربية بكل احترام وما كانت تصادر أراضيهم بالقوة، بينما نحن نعيش بإسرائيل بدون احترام ويستقدمون اليهود من أوروبا لتوطينهم ويقاسموننا أراضينا، إذ نعيش فصول التهجير ونخشى نكبة ثانية ستكون أصعب من الأولى".

بدورها، بدت الحاجة ثلجة سواعد (80 عاما) في ثوبها الفلسطيني ولهجتها البدوية بمعنويات عالية متسلحة بالصبر، والإصرار على البقاء في تراب وطنها، مؤكدة استعدادها ومن عمق المعاناة لخوض معركة البقاء، لتقول أم محمود بنبرة واثقة "لن نخرج، هذه أرضنا وتعبنا ووطننا، تربينا وعشنا بالأرض، كيف نطلع (نخرج)؟ أتوا بالقوة الخاصة والشرطة وعمروا المستوطنة غصبا عنا فوق أراضينا".

المصدر : الجزيرة