سلطات الانقلاب اعتبرت مشهد التحرير بذكرى الثورة نصرا لها (الفرنسية)

أنس زكي-القاهرة

في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير بمصر لا يبدو أن الأمر حسم بين القوى المختلفة، حيث تمضي السلطة الحالية في طريق ترسيخ أقدامها عبر ترشح محتمل لوزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي للانتخابات الرئاسية، وبينما تؤكد القوى الثورية أن الثورة مستمرة يصر التحالف الوطني لدعم الشرعية على أنه صامد.

وجاء مشهد الذكرى الثالثة للثورة ملتبسا، حيث خلا ميدان التحرير -الذي كان القلب النابض لثورة يناير- من قوى الثورة وغص بأنصار السلطة الحالية ومؤيدي السيسي، بينما حالت قوات الجيش والشرطة دون دخول القوى الثورية أو حتى اقترابها من الميدان.

وزاد من صعوبة المشهد أن الخلاف ما زال قائما بين القوى التي مثلت الركيزة الأساسية لثورة يناير، ورغم توحدها على رفض السلطة الحالية وممارساتها، اختلفت بشأن المستقبل، حيث يركز أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي -وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين- على استعادة شرعية الرئيس المنتخب، بينما تجمع القوى الثورية بين رفض السلطة الحالية ورفض مرسي والإخوان بدعوى أنهما لم يعملا بجد على تحقيق مطالب الثورة أثناء ولاية مرسي.

واعتبرت السلطة الحالية مشهد التحرير نصرا لها وواصلت جهودها لترسيخ شرعية جديدة، فبعدما أجرت قبل نحو أسبوعين استفتاء على الدستور الجديد، وافقت عليه أغلبية كاسحة من المشاركين في ظل مقاطعة من رافضي الانقلاب، كما أعلن الرئيس المؤقت عدلي منصور تغييرا في خارطة الطريق يتضمن تقديم الانتخابات الرئاسية لتجري قبل البرلمانية.

أبو النصر: قمع الثوار ومنعهم من دخول الميدان لا يمكن اعتبارهما انتصارا (الجزيرة)

إقناع الخارج
وجاءت هذه الخطوة المتوقعة لتمهد الطريق أمام ترشيح محتمل للسيسي لمنصب الرئاسة، وهو الأمر الذي قطع خطوة شبه نهائية عندما اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الاثنين وفتح الباب أمام رئيسه للترشح بدعوى الاستجابة للمطالب الشعبية، في حين قرر منصور ترقية السيسي لرتبة المشير، وهي الأعلى بالجيش المصري.

وبالتزامن مع ذلك واصلت السلطة الحالية جهودها لمحاولة إقناع الخارج بالخارطة السياسية الحالية، حيث عقد السفير حاتم سيف النصر مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية اجتماعا موسعا ضم سفراء الدول الأوروبية المعتمدين في القاهرة لإطلاعهم على مجمل التطورات الداخلية الراهنة في مصر، وسبل تعزيز العلاقات بين مصر وهذه الدول.

في المقابل، لم تتوقف مظاهرات تحالف الشرعية رغم مقتل العشرات منهم في الذكرى الثالثة للثورة على يد قوات الأمن، بينما انتقدت حركة 6 أبريل ما قامت به السلطة من "تحويل ذكرى الثورة -التي قامت ضد الاستبداد والفساد السياسي والممارسات القمعية للشرطة- إلى ممارسة جديدة لهذا الاستبداد والقمع"، وأكدت الحركة استمرار النضال السلمي ضد ما وصفته بالظلم والقمع والاستبداد.

ورفض الأمين العام لحزب البناء والتنمية -الواجهة السياسية للجماعة الإسلامية- علاء أبو النصر  القول إن مشهد الاحتفال بالذكرى الثالثة للثورة أظهر تفوقا لفريق السلطة الحالية، وقال إن عدد أنصارها الذين احتشدوا بميدان التحرير لم يكن كبيرا بالشكل الذي أظهره الإعلام، معتبرا أن قمع قوى الثورة ومنعها من دخول الميدان لا يمكن اعتبارهما انتصارا لهذه السلطة بأي حال.

راشد: السلطة الحاكمة نجحت في اجتياز اختبار أمني عسير في ذكرى الثورة (الجزيرة)

الصمود والبدائل
وأضاف أبو النصر أن تحالف دعم الشرعية يدرك من البداية أن المعركة صعبة وطويلة وتحتاج إلى نفس طويل، معتبرا أن قوى الثورة حققت نجاحات مهمة رغم القمع والمنع، أبرزها أنها أظهرت اتجاها نحو استعادة التلاحم يتوقع أن يتزايد في الفترة المقبلة ردا على قمع السلطة.

وقال أبو النصر إن التحالف يراهن على الصمود، مؤكدا في الوقت نفسه أن جبهة السلطة الحالية تحت ضغط كبير بالنظر إلى الاختلافات الكبيرة بين مكوناتها، والتي أظهرت بدورها خلافات يتوقع أن تتفاقم مع قرب الاستحقاقات الانتخابية المختلفة.

من جانبه، يعتقد المحلل السياسي سامح راشد أن السلطة الحاكمة نجحت في اجتياز اختبار أمني عسير في ذكرى الثورة رغم سقوط عشرات الضحايا، ويضيف للجزيرة نت أن هذه السلطة اعتبرت أن مرور الذكرى دون مشكلات حقيقية أمر يساعد على المضي في طريقها، ولذلك جرى التعديل في خارطة الطريق بتقديم الانتخابات الرئاسية قبل الكشف بوضوح عن نية السيسي للترشح ومباركة المجلس العسكري لذلك.

وعن البدائل المتاحة أمام الطرف الآخر، يرى راشد أنها قليلة وتتضاءل بمرور الوقت، حيث يقل زخم التظاهر بفعل العنف الرسمي المفرط وعمليات الاعتقال المتتالية، وهو ما قد يجعل الأولوية تتجه نحو العمل على تثبيت حد أدنى من الحضور الجماهيري في الشوارع ولو على فترات متقطعة، ليستمر العمل الميداني الثوري في الساحة.

لكن راشد يتحدث أيضا عن بديل أكثر جدوى، وهو الاصطفاف الوطني بين مختلف القوى السياسية الرافضة للسلطة الحالية، ويؤكد أن التنسيق بين هذه القوى وتجاوز الخلافات بينها سيكون أمرا مهما وحيويا مع اعتماد المضي في مسار مزدوج يشمل النهجين الثوري والسياسي حتى لو كان ذلك من داخل قواعد اللعبة الجارية، كالدعوة مثلا لمقاطعة الانتخابات الرئاسية أو دعم مرشح معين في مواجهة آخر، مع الاستعداد الجاد للانتخابات البرلمانية التي يفترض أن تجري في غضون ستة أشهر.

المصدر : الجزيرة