اللاذقية مدينة لا يزال النظام السوري ينظر إليها بتوجس رغم هدوئها الظاهري (الأوروبية)

بنان الحسن-اللاذقية

اللاذقية مدينة تلاشت فيها مظاهر الثورة تماماً وبدت آمنة في تصور بعض أهاليها ومن يزورها، لكنها بقيت بعيون النظام تلك المدينة التي تخبئ بين جدران بيوتها من يعتقد أنهم خطر عليه فيلاحقهم ويتجسس عليهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعه المختلفة.

ومع أن أبناء المحافظات الأخرى يرون في التجسس عبر مواقع الشبكة العنكبوتية أسلوباً عتيقاً لم يعد النظام نفسه ينتهجه أو متفرغاً له، لكنه في اللاذقية بات هذا الأسلوب بمثابة عين النظام الساهرة على أمن البلد كما يعتقدون فسجلت حالات اعتقال واسعة عبرها.

وعن قصص الاعتقال هذه يروي لنا أبو العبد عن حالة عشرين معتقلاً قبل يومين تحديداً، منهم أحد طلاب الجامعة الذي كانت تهمته أن له حساباً بموقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك). وتم اعتقال كل من كان يرافقهم بالجامعة حيث تحت وطأة التعذيب يضطر المعتقل للاعتراف بكل أسماء أصدقائه.

وهكذا تتعدد أسباب الاعتقال، فمنها الإغاثية حيث باتت مساعدة الجيران لبعضهم البعض وتبادل المؤونة تهمة قد تودي بصاحبها للاعتقال بحجة توزيع مواد الإغاثة بالأحياء الثائرة. كما أن الجوالات المستعملة قد تكون تهمة سافرة لك إذا قمت ببيعها أو شرائها ووُجد بداخلها حساب ثوري قديم بأحد وسائل الاتصال الاجتماعي.

تروي لنا رانيا قصة اعتقالها مع أختها وابنتها المراهقة التي باعت جهازها الجوال القديم لأحد أصحاب المحلات لتفاجأ في اليوم التالي بمداهمة الأمن لمنزلهم واعتقال البنت مع والدتها وخالتها التي تم الافراج عنها لاحقاً. وبقيت الأم وابنتها رهن الاعتقال حيث زوَّد صاحب المحل الأمن السوري بمعلومات عنهم بحجة أنه عثر على حساب على فيسبوك بحوزتهما يتضمن رسائل قديمة تتحدث عن الأحداث الجارية بسوريا بطريقة تنم عن تأييد للثورة.

اللاذقية لم تسلم من الدمار على يد النظام (الأوروبية)

المنطقة الأهم
حالات خوف وترقب تنتاب أهالي اللاذقية. فبمجرد سؤال الأمن عن أحد أبنائهم أو بناتهم فإن ذلك يكون سبباً كافياً ومقنعاً لهم لترك أعمالهم وبيوتهم وجامعاتهم واللجوء للدول المجاورة لتبدأ مرحلة جديدة من الفقر والحرمان.

هي إذاً سياسة إفقار وتهجير تلك التي ينتهجها النظام تجاه أهالي الأحياء الثائرة. يحكي لنا عضو إدارة سابق بتنسيقية اللاذقية أنه ساهم في ترحيل العديد من الناشطين مع أبنائهم وعائلاتهم لمناطق اللجوء عبر وسطاء يدفعون لهم مبالغ مالية ليست قليلة لتأمين الطريق لهم وسط منطقة تعج بالحواجز الأمنية، حيث يضطر -على حد قوله- إلى التحايل وتغيير بعض الهويات كي ينجو ذلك الناشط بجلده نحو المناطق المحررة من الريف.

وعن آخر حالة تم التعامل معها، قال العضو السابق بالتنسيقية إنها كانت تهريب فتاة في العقد الثالث من عمرها مع ابنها الرضيع ذلك أنها كانت ملاحقة أمنياً بعد اعتقال أحد معارفها الذي اعترف تحت التعذيب عن اسمها.

يتحدث ناشطون حقوقيون باللاذقية عن حالات وفاة تحت التعذيب وصلت إلى خمسين حالة أعدمها النظام انتقاماً من أهالي مدينة اللاذقية بعد الانتصارات التي حققها جيش المعارضة السورية في معركة تحرير الساحل أو ما تسمى (معركة أحفاد عائشة) قبل خمسة أشهر تقريباً.

وبتحدث هؤلاء الناشطين عن تسريب النظام أسماء القتلى فرادى خوفاً من ردة فعل غير متوقعة من الأهالي في مدينة لها من الخصوصية التامة عند الثوار والنظام على حد سواء. فالأسماء تصل تباعاً ومتفرقة حيث يقومون بتوثيقها بعد التأكد من أهل المتوفى الذين لا يستلمون جثة ابنهم ولا يحق لهم رؤيتها.

ويكتفي فرع الأمن بدمشق بإبلاغ أهل الضحية الذين يتلقون الخبر المؤلم في صمت لكنهم ينشرون نعياً عن وفاته بأسباب طبيعية عادية خوفاً من انتقام جهاز المخابرات الذي تتواجد عناصره بسرادق العزاء إن أقامه الأهل أصلاً لرصد أي حركة مريبة أو إشارة لما حدث للضحية.

ويبقى الساحل المنطقة الأهم التي يحرص النظام على إبقائها هادئة يطبق عليها صمت ثقيل حتى في حالات الاعتقال المنهجي والتهجير، حيث استطاع النظام جعل الأهالي ينشغلون بتدبير لقمة العيش في مدينة خنق تدفق النازحين إليها أهلها عبر الغلاء وإحساسهم بأنهم باتوا أقلية في ديارهم. 

المصدر : الجزيرة