زاوية لبيع الخمور في أحد الأسواق بماليزيا (الجزيرة نت)

محمود العدم-كوالالمبور  

برز إلى العلن في ماليزيا منذ مطلع الشهر الجاري سجال جديد تمثل في الخلاف على آليات التصرف بأموال الضرائب العائدة من الاستثمارات المخالفة للشريعة الإسلامية، ومنها الضرائب المفروضة على شركات بيع الخمور ونوادي القمار واليانصيب، إضافة إلى شركات بيع التبغ وغيرها.

وبدأت القضية عندما طالب نواب من حزب العمل الديمقراطي المعارض -الذي يمثل الأقلية الصينية في البلاد- بأن تخصص عوائد هذه الاستثمارات -التي تعتبر محرمة في الشريعة الإسلامية ولا يجوز للمسلمين الانتفاع بها- في مشاريع تعليمية وخدماتية تخص الأقليات غير المسلمة الموجودة في البلاد، وفقا للنائب المعارض أنتوني لوك.

واقترح لوك في بيان صدر مؤخرا أن توضع عوائد الضرائب الخاصة بهذه الاستثمارات والبالغة نحو 6.3 مليارات رينغيت (نحو ملياري دولار أميركي) في حساب خاص، بحيث توجه "الإيرادات لتطوير فئات المجتمع من غير المسلمين، وتصرف على النواحي التعليمية والمدارس والهيئات الثقافية والاجتماعية".

مؤيدون ومعارضون
وانقسمت ردود الفعل على تصريحات لوك ما بين مؤيد ومعارض، حيث اعتبر المؤيدون -وغالبهم من المعارضة والأقلية الصينية- أنها تتوافق مع التعاليم الدينية للمسلمين، وفي ذات الوقت تسد النقص الكبير في هذه المؤسسات لدى غير المسلمين.

تحالف المعارضة بزعامة أنور إبراهيم طالب الحكومة بالشفافية في التعامل مع هذه الأموال (الجزيرة-أرشيف)

ولا يمكن هنا إغفال موقف النائب إبراهيم علي -رئيس منظمة بركاسا الملايوية القومية التي تدعو لوحدة الملايو وسيادة عنصرهم- المؤيد لتخصيص صندوق لهذه الضرائب، بحيث تصرف عوائده على حاجات غير المسلمين، على اعتبار أن "انتفاع المسلمين بها يعتبر مخالفا لتعاليم الشريعة الإسلامية"، وهو يرى أن غالبية المسلمين يؤيدون هذا الموقف، وقد تحفظ على إعطاء الجزيرة نت مزيدا من التفاصيل حول موقفه.

أما المعارضون فاعتبروا أن هذه المطالبات تشعل منطقة جديدة من مناطق التوتر الديني والعرقي الموجودة في البلاد، وأنها تخلق مزيدا من الانقسامات بين الماليزيين، كما أنها تعتبر وصمة لغير المسلمين بأن مؤسساتهم قائمة على تمويل من "أموال الخطايا"، وفقا لتان كنغ يانغ رئيس قطاع الشباب في حزب جيراكان الصيني المؤيد للحكومة في ولايتي صباح وسراواك.

ورأى آخرون أن القضية لا تعدو كونها قضية سياسية مغلفة بإطار ديني، وهي امتداد للخلافات القائمة بين الحكومة وأحزاب المعارضة خصوصا الصينية منها، والتي تبلورت مؤخرا في قضية لفظ الجلالة "الله" وقرار المحكمة بحصر استخدامه على المسلمين وحظره على غيرهم، وهو ما أيدته المؤسسة الملكية في البلاد.

رد الحكومة
بدورها اعتبرت الحكومة أن فتح هذه الملفات هو جزء من المناكفات السياسية، وأوضحت وزارة المالية في ردها أمام البرلمان أن "العائدات من هذه الضرائب يتم توجيهها إلى النواحي الترفيهية كالرياضة والفن والثقافة إضافة إلى برامج الرعاية الاجتماعية، وهي تعمل بذلك وفق توجيهات من مجلس الشؤون الدينية الذي يأخذ برأي جواز الاستفادة من هذه الأموال بأوجه محددة من الخدمات الاجتماعية.

غير أن المعارضة اعتبرت هذا الرد غير كاف خصوصا مع غياب تفاصيل صرف هذه العوائد.

وطالب تحالف المعارضة بزعامة أنور إبراهيم الحكومة بأن تكون أكثر شفافية في التعامل مع هذه الأموال، وأن تخصص صندوقا خاصا لهذه العوائد "نظرا للحساسية التي يتعامل بها المسلمون مع هذه الأموال"، كما طالبوا بتخصيص برامج على مستوى الدولة لمساعدة المقامرين ومدمني الكحول على تركها.

 عبد الله يوه: القضية لدى المسلمين لم تكن موضوع خلاف (الجزيرة نت-أرشيف)

ووفقا لنائب رئيس جمعية الصينين المسلمين بماليزيا المستشار الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد عبد الله يوه، فإن القضية لدى المسلمين لم تكن موضوع خلاف حيث إن الأمر لديهم متروك للحكومة وهي صاحبة الشأن في آليات التصرف بهذه الأموال.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن القضية انتقلت بينهم إلى سجال في إطار فقهي خالص، من حيث جواز الانتفاع بهذه الأموال من عدمه، بعيدا عن أي إسقاطات تتعلق بالخلاف السياسي أو الفني.

وقد طفت على السطح في أوساط المسلمين آراء تؤيد الانتفاع بها على اعتبار أن ماليزيا تاريخيا عاش فيها أقليات من غير المسلمين (أهل الذمة) وتم التعامل معهم اقتصاديا عبر عدة محاور، فيما اعتبر معارضو هذا الرأي أن أركان القياس على أوضاع أهل الذمة غير مكتملة ولا يجوز البناء عليها. 

المصدر : الجزيرة