أحمد فياض-غزة

تختصر قصة زواج رندة أبو سلعة القاطنة في مخيم جباليا للاجئين من إبراهيم بشارات شرق القدس في طياتها حكاية شعب لا يكف محتله الإسرائيلي عن الإمعان في تمزيق نسيجه الاجتماعي، والتفريق بين المرء وزوجه عبر إجراءات معقدة تبقي الفلسطيني محشورا في كيانات معزولة شبيهة "بقيتوهات" المعسكرات النازية.

ويفتح الاحتلال الإسرائيلي -برفضه السماح لرندة باللحاق بزوجها المرتبطة به منذ سبعة أشهر فقط- صفحة عائلة أبو سلعة "السوداء" مع التشتت من جديد، فجدها أجبر على الرحيل عن بلدته بئر السبع صوب مخيم جباليا عام 1948، واليوم يعود ليذيق حفيدته المصير ذاته، ويحرمها أيضا من حق تكوين أسرة.

وإن كانت الكلمات -التي كانت تقاطعها الدموع- لم تسعف رندة في التعبير لكاميرا الجزيرة نت عما يعتصر قلبها من ألم وحرقة إزاء تبديد سلطات الاحتلال فرحتها بزواجها، إلا أن زوجها إبراهيم بدا أكثر رباطة جأش منها، لكنه وصف الوضع الذي وصل إليه بالمؤلم.

ويضيف -في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت- أن كثرة سؤال زوجته عن مصير زواجها عرضها لضغوط اجتماعية تحمل نظرات العطف وأحيانا اللوم، لأنها أقدمت على الزواج من فلسطيني ليس من سكان قطاع غزة.

يسرد الزوج كيف اضطر لقطع آلاف الأميال متنقلا بين الأراضي الأردنية والمصرية للوصول إلى زوجته والإقامة معها بضعة أيام قبل أن يعود مغادرا إلى عمله في مجال حقوق الإنسان بالضفة الغربية

ترسيخ الفصل
ويسرد الزوج كيف اضطر لقطع آلاف الأميال متنقلا بين الأراضي الأردنية والمصرية للوصول إلى زوجته والإقامة معها بضعة أيام قبل أن يعود مغادرا إلى عمله في مجال حقوق الإنسان بالضفة الغربية.

ويرى أن الاحتلال ينتهج من الأساليب ما يقود إلى ترسيخ سياسة الفصل بين العائلات الفلسطينية وتشتيتها، والمساس بأبسط حقوقها في الحياة عبر فصلها عن محيطها الاجتماعي، ومنع الفلسطيني من حقه في تكوين أسرة، أو حتى اختيار شريكة حياته.

وكانت مؤسستان حقوقيتان إسرائيليتان قد كشفتا في تقرير لهما الأسبوع المنصرم تفاصيل مثيرة تحمل مؤشرات خطيرة تتعلق بحقيقة التوجهات الإسرائيلية الرسمية على صعيد ترسيخ الفصل بين الفلسطينيين بشقيه السياسي والاجتماعي.

ويصف التقرير المعد من قبل منظمتي "بيتسيلم" و"هموكيد" أن الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بعزل غزة تلحق مساسا جسيما بحقوق عشرات آلاف الفلسطينيين ممن يعيشون في أسر مقسومة بين الغزة وبين الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

وبحسب التقرير، فإن جملة القرارات الإجرائية المتبعة من قبل مؤسسة الجيش بدعم من الجهاز القضائي في إسرائيل "تحول دون إمكانية إدارة حياة أسرية معقولة".

حاولت الجزيرة نت الحصول على تعقيب للجيش الإسرائيلي على ما ورد في التقرير الإسرائيلي، إلا أن المتحدث باسمه آفيحاي آدرعي اعتذر عن الحديث

حقيقة الأمر
ولكن في حقيقة الأمر فإن المعطيات الواردة في التقرير لا يمكن قراءتها خارج نطاق انتهاج إسرائيل سياسية تعزيز الفصل في الذهنية الفلسطينية وإجبارهم على العيش في معازل، في محاولة لكسر إرادة الفلسطينيين وإخضاعهم لمخططاتها المستقبلية المعدة لحسم أمرهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كل في مناطق سكناه.

ولعل كاتبه التقرير والباحثة في منظمة بيتسيلم الإسرائيلية نعمة باومجرطن-شارون تشير إلى هذا المعنى بقولها إن إسرائيل تتبع أساليب ممنهجة وأخرى بيوقراطية معقدة لتنفيذ قرار منع انتقال فلسطينيين من غزة صوب الضفة الغربية وبالعكس إلا في حالات نادرة، كوفاة أحد الأقرباء من الدرجة الأولى، وغالبا ما يتأخر صدور الإذن بالسفر إلى أيام ما بعد مراسم الدفن والتشييع.

وأضافت في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن إسرائيل بدأت منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 تشديد إجراءاتها ضد تنقل الفلسطينيين، لكن مع مطلع الانتفاضة الثانية عام 2000 وفي أعقاب الانسحاب أحادي الجانب عام 2005 وصلت الإجراءات المتتبعة إلى مستوى يستحيل معه تنقل الفلسطينيين من وإلى غزة.

وحاولت الجزيرة نت الحصول على تعقيب للجيش الإسرائيلي على ما ورد في التقرير الإسرائيلي، إلا أن المتحدث باسمه آفيحاي آدرعي اعتذر عن الحديث، وأحال الأمر إلى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق قاي أنبار، والذي بدوره رفض هو الآخر الحديث لمراسل الجزيرة نت عن الموضوع.

المصدر : الجزيرة