تتصدر أخبار امتحان الثانوية العامة الأردنية "التوجيهي" وسائل الإعلام المحلية، ليس للحديث عن الأسئلة وصعوبتها أو غيرها كما كان الأمر في السنوات الماضية، وإنما عن أخبار محاولة اقتحام قاعات أو حرق أخرى، وصولا لأخبار ضبط طلاب ابتدعوا أساليب جديدة للغش.

الامتحان التوجيهي يتقدم له هذا العام أكثر من 170 ألف طالب (الجزيرة-أرشيف)

محمد النجار-عمان

تتصدر أخبار امتحان الثانوية العامة الأردنية "التوجيهي" وسائل الإعلام المحلية، ولكن ليس للحديث عن الأسئلة ومدى صعوبتها أو غيرها كما كان الأمر في السنوات الماضية، وإنما عن أخبار محاولة اقتحام قاعات أو حرق أخرى، وصولا لأخبار ضبط طلاب ابتدعوا أساليب جديدة للغش.

وبالرغم من أن الامتحان الوطني -الذي يتقدم له هذا العام أكثر من 170 ألف طالب- يقع ضمن مسؤولية وزارة التربية والتعليم، فإن وزارة الداخلية وديوان المحاسبة وجهات أخرى دخلت على خطه بشكل لافت، ودخل مصطلح "غرف العمليات" على خط الامتحان الوطني، يجتمع فيها يوميا كبار المسؤولين لمناقشة الخطط والتقارير الميدانية ومحاولة ضبط الامتحان الذي عانى انفلاتا في السنوات الأخيرة.

وبات الإعلان اليومي عن سير امتحان الثانوية العامة خبرا يتصدر وسائل الإعلام، وينافس الأخبار عن الأسعار والغلاء وحالة الطقس.

غرفة عمليات
نقابة المعلمين شكلت بدورها "غرفة عمليات" تصدر تقريرا يوميا عن سير الامتحانات وعن الخروق التي يشهدها، ولوحت النقابة في أكثر من بيان لها بالإضراب عن مراقبة الامتحانات في حال لم تتوقف ما تصفه بالاعتداءات على أعضاء النقابة المراقبين الذين يتولون الإدارة الميدانية للامتحان.

أحدث أخبار اليوم الخميس كانت إطلاق نار باتجاه قاعة امتحانات في مدينة الكرك جنوبي البلاد، مما استدعى تدخل الأمن لإجلاء المراقبين، كما أعلن عن ضبط الأمن لخياط و15 طالبا في مدينة إربد الشمالية كانوا يعملون على تثبيت سماعات صغيرة الحجم تعمل بالنظام اللاسلكي في ملابسهم لمساعدتهم على استقبال الإجابات من أشخاص خارج قاعات التوجيهي.

قبلها كانت صحيفة الغد الأردنية قد نشرت خبرا عن ضبط طالبة تمكنت من تثبيت سماعتين داخل أذنيها لتمكينها من الغش.

ولمقاومة أساليب الغش الحديثة اضطرت وزارة التربية والتعليم لتركيب أجهزة "تشويش" في قاعات التوجيهي لمنع الاتصالات، في حين أعلن وزير التربية والتعليم عن تسليم أسماء من سماهم "تجار التوجيهي" للأجهزة الأمنية التي تعلن يوميا عن ضبط أعداد منهم.

وبالرغم من إعلان وزارة التربية والتعليم عن اعتزامها نشر أسماء الطلبة المحرومين من الامتحان بسبب الغش، فإنها لم تنفذ تهديدها لأسباب لم تعلنها.

قوات الأمن أمام مديرية الامتحانات المشرفة على امتحان التوجيهي (الجزيرة-أرشيف)

غش بالقوة
مظاهر أخرى للصداع تتجلى خارج قاعات الامتحان، حيث حاول أهالي بعض الطلبة يحملون الأسلحة الأوتوماتيكية اقتحام قاعات امتحان في عدد من المناطق خارج العاصمة عمان، كما بات مشهد التوتر وإلقاء قنابل الغاز المدمع مشهدا اعتياديا عقب كل امتحان في مناطق عدة.

وأدت بعض حالات الشغب لإحراق قاعات توجيهي وأحد المباني الحكومية وسيارة تابعة لجهة رسمية، وهو ما جعل امتحان التوجيهي واحدا من مظاهر العنف التي بات المجتمع الأردني يشهدها.

وتشغل هذه الأحداث المجتمع الأردني الذي يعتبر موسم التوجيهي فيه أحد المواسم التي تتقيد فيها العائلات بتقليل تبادل الزيارات والتخفيف من المناسبات والاحتفالات إلى الحد الأدنى.

النائب في البرلمان ونقيب المعلمين الأردنيين مصطفى الرواشدة اعتبر أن التوجيهي تحول لما "يشبه المعركة الحقيقية".

وقال للجزيرة نت "أنا أرفض مصطلح غرف العمليات وكأننا في حرب"، وتابع "الحلول الآنية لا تحل المشكلة، المطلوب طاولة مستديرة تتشكل من تربويين تعالج كل منظومة التربية والتعليم التي تشهد أزمة في البلاد وما التوجيهي إلا تعبير عن حلقة منها".

ودعا الرواشدة لدراسة ما يجري في سياق أزمة عميقة يعيشها المجتمع الأردني الذي يعاني من مشكلات الفقر والبطالة وقضايا أخرى تزيد من الاحتقان والتوتر فيه.

من أحد أشكال احتجاج لطلبة في التوجيهي وأهاليهم (الجزيرة-أرشيف)

فوضى القيم
وبرأي الخبير النفسي والاجتماعي الدكتور محمد الحباشنة فإن ما يشهده امتحان التوجيهي يعبر عن "فوضى في منظومة القيم، وبعثرة في المنظومة القانونية التي يستند إليها المجتمع".

وقال للجزيرة نت إن العامل الرئيسي في ما نشهده اليوم أن الدولة التي غابت عن فرض القانون في امتحان التوجيهي لمواسم سابقة، جاءت فجأة لفرضه هذا الموسم، مما أدى لمقاومتها من مجتمع اعتاد غياب تطبيق القانون.

وتابع "في سنوات سابقة أدخل الطلاب السماعات معهم لقاعات الامتحان ولم تقاوم الوزارة ذلك، وكانت حملات الغش تتم بشكل واضح، مما جعل الناس اليوم تعتبر أن حرمانها من إدخال السماعات وبالتالي من الغش في الامتحان تغييبا للعدالة التي كرسها غياب القانون".

وذهب الحباشنة لاعتبار أن أخطر ما تولده مظاهر مقاومة النزاهة في التوجيهي اليوم "أن المجتمع الأردني بات يختلف على تعريف الصواب والخطأ، عوضا عن أن ثقافة المجتمع الاستهلاكي والكسب السريع تنتقل لامتحان بحجم التوجيهي حيث يريد الطالب كسب نتيجة التوجيهي ولا يرى في الأساليب غير المشروعة سوى طريق متبع في المجتمع للوصول إلى ذلك".

وحذر من "عدم الارتقاء بالأبناء من مرحلة الطفولة التي تعني الوصول للنجاح بطريقة ممتعة، إلى مرحلة الشباب التي تتطلب بذل الجهد والألم للوصول إلى النجاح".

وختم بتحميل الدولة مسؤولية ما يجري، وقال "أي سلطة تغض الطرف عن أخطاء المجتمع، لديها شيء خاطئ تريد من هذا المجتمع غض الطرف عنه".

المصدر : الجزيرة