ضريح الحريري في وسط بيروت (الجزيرة)

علي سعد-بيروت

لم يكن التفجير الذي استهدف رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 اغتيالا لسياسي عادي، بل كان أشبه باغتيال وطن، غرق لبنان بعده في بحر من التفجيرات والدماء والانقسامات لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم.

أهالي الضحايا الـ22 الذين قضوا بالتفجير انتظروا طوال تسع سنوات انطلاق المحاكمات في القضية، لعلّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان -والتي تنطلق غدا لمحاكمة أربعة متهمين في القضية هم سليم عياش ومصطفى بدر الدين وحسين عنيسي وأسد صبرا- تقدم لهم العدالة المنتظرة.

طال الانتظار كثيرا بالنسبة لنسرين زغيب أرملة محمد غلاييني الذي كان مرافقا للحريري وقضى معه. الأرملة المفجوعة لم تستطع بعد تسع سنوات من الحادثة كتم دموعها عند سؤالها عن أمالها مع انطلاق أعمال المحكمة الدولية. وقالت للجزيرة نت "إنه بعد تسع سنوات من الانتظار آن لنا أن نكشف حقيقة من يتم أولادي. هناك تفجيرات حصلت أمس واكتُشف منفذوها فلماذا لم ننل نحن عدالتنا بعد". وتضيف إن المفجر معروف والمنفذ معروف ولكن هناك من لا يريد كشف الحقيقة.

طريق طويلة
ومنذ حادثة الاغتيال عام 2005 حتى بداية المحاكمات، سلك التحقيق الدولي طريقا طويلا ومتعرجا بدايته كانت عندما شكلت الأسرة الدولية لجنة تقصي حقائق عرفت "بلجنة فيتزجيرالد" بعد التفجير بأسبوعين خلصت إلى أن أجهزة الأمن اللبنانية غير قادرة على إدارة تحقيق شفاف بقضية اغتيال الحريري، وأوصت بتشكيل لجنة تحقيق دولية خاصة.

استجاب مجلس الأمن وشكل اللجنة برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس الذي وجه أصابع الاتهام إلى النظام الأمني اللبناني السوري، ليترافق الاتهام مع انسحاب الجيش السوري من لبنان في أبريل/نيسان من العام نفسه بعد وصاية سورية استمرت حوالي ثلاثين سنة. 

أثار قرار تشكيل المحكمة الدولية انقساما حادا انسحبت على إثره قوى 8 آذار التي كانت ممثلة بخمسة وزراء شيعة من الحكومة، وتبعتها استقالة الوزير يعقوب الصراف، معتبرة أن هذه الحكومة فقدت شرعيتها لعدم مراعاتها ميثاق العيش المشترك بسبب عدم تمثيل طائفة رئيسية بأكملها. ودشنت قوى 8 آذار بعدها اعتصاما مفتوحا في وسط بيروت طالب بتشكيل حكومة جديدة

وسبق تشكيل لجنة التحقيق الدولية حالة من عدم الاستقرار والانقسام العامودي على المستويين السياسي والشعبي في لبنان. ففي 8 مارس/آذار خرجت القوى الموالية لسوريا في مظاهرة مليونية حملت عنوان "شكرا سوريا"، لترد عليها في 14 من الشهر نفسه القوى المعادية لسوريا بمليونية أخرى طالبت بخروج الجيش السوري بشكل نهائي من لبنان وبمعاقبة المسؤولين عن اغتيال الحريري.

لم يتوقف الانقسام مع تشكيل لجنة التحقيق الدولية، بل تعمق خاصة أن أسئلة كثيرة طرحت حول أداء ميليس والأدلة التي استند عليها الاتهام الموجه لسوريا، وهو ما توضح فيما بعد مع تعديل بوصلة الاتهام بعد استقالة ميليس.

استمرار الاغتيالات
في هذا الوقت، لم تستطع لجنة التحقيق الدولية إيقاف التفجيرات التي طالت سياسيين من الفريق المناهض لسوريا والذي عُرف بقوى 14 آذار، وأودت بحياة ثماني شخصيات سياسية وإعلامية مناهضة لدمشق، كما قتلت ثلاث شخصيات أمنية وعسكرية.

وأثار قرار تشكيل المحكمة الدولية انقساما حادا انسحبت على إثره قوى 8 آذار التي كانت ممثلة بخمسة وزراء شيعة من الحكومة، وتبعتها استقالة الوزير يعقوب الصراف، معتبرة أن هذه الحكومة فقدت شرعيتها لعدم مراعاتها ميثاق العيش المشترك بسبب عدم تمثيل طائفة رئيسية بأكملها. ودشنت قوى 8 آذار بعدها اعتصاما مفتوحا وسط بيروت طالب بتشكيل حكومة جديدة.

لاحقا وافقت الحكومة نفسها التي رأسها فؤاد السنيورة على قرار تشكيل المحكمة بعدما وضعه سعد الحريري رئيس تيار المستقبل على ضريح والده في وسط بيروت، واعدا إياه بتحقيق العدالة.

في مارس/آذار 2009 انطلق رسميا قطار المحكمة الدولية من لايشتندام في هولندا، وكان أولى ثماره إطلاق الضباط الأربعة في ما يشبه صك البراءة للنظام السوري، ثم توجيه الاتهام إلى أربعة عناصر ينتمون إلى حزب الله وإصدار مذكرة توقيف دولية بحقهم، قبل أن يضاف إليهم في العام 2013 متهم خامس هو حسن مرعي.

تعويل كبير
وطوال هذه الفترة كان تيار المستقبل الذي أسسه رفيق الحريري مجندا للدفاع عن تشكيل المحكمة وعملها ووضع كامل ثقله لأجل تحقيق ذلك. ويقول النائب عن كتلة المستقبل محمد قباني للجزيرة نت "منذ البداية طالبنا بأن تتولى محكمة دولية موضوع جريمة اغتيال الحريري لأن هكذا محكمة تكون بعيدة عن التأثيرات السياسية الداخلية، وأحكامها سيكون لها صدى داخلي كبير، لن تكون محاولات التشويه الداخلية قادرة على محو نتائجه".

وأضاف "نعتمد على المحكمة ونعول كثيرا عليها كي تظهر حقيقة الجريمة ومن يقف وراءها، وبالتالي تصدر الأحكام العادلة بحق الذين ارتكبوها"، مشددا على أن مجرد صدور الأحكام هو نوع من العقاب المعنوي والسياسي والأخلاقي للمجرم حتى إن لم تنفذ. وهي ستجعلهم يمضون بقية حياتهم مختبئين تحت الأرض أو في أماكن مجهولة، وقد يجري توقيفهم عبر الإنتربول في حال سفرهم.

المصدر : الجزيرة