الشيف حمدي،كما يحب أن يُطلق عليه، شخصية فريدة، أصبح معروفاً لجميع سكان حي القابون بدمشق، فهو طباخ يقوم بإعداد الطعام لعشرات الأشخاص، مستخدماً كل ما يستطيع الحصول عليه في ظل ندرة المواد الغذائية، ومستعيناً بشبكة الإنترنت ليطّلع على وصفات الطعام.

أطعمة يبدعها الشيف حمدي من مكونات بسيطة (الجزيرة)

سلافة جبور-دمشق

"نحن محاصرون بشكل تام هنا في حي القابون الدمشقي منذ ستة أشهر، ومع أننا نفتقر لأغلب المواد الغذائية، إلا أن الشيف حمدي وإبداعه في صنع أطباق الطعام خفف كثيراً من وطأة الحصار علينا". هذا ما يقوله نائل، وهو من سكان حي القابون.

فالشيف حمدي، كما يحب أن يُطلق عليه، شخصية فريدة، أصبح معروفاً لدى جميع سكان الحي، فهو طباخ يقوم يومياً بإعداد الطعام لعشرات الأشخاص، مستخدماً كل ما يستطيع الحصول عليه في ظل ندرة المواد الغذائية، ومستعيناً بشبكة الإنترنت ليطّلع على وصفات وطرق تحضير الطعام.

يقول حمدي في حديث للجزيرة نت إنه رفض الخروج من القابون في وقت غادر كثيرون المكان تاركين شاغراً مهماً بخروجهم، فآثر هو البقاء والعمل وخدمة من تبقى في الحي، "ففي وقت الشدة شعرت بأن الحاجة لوجودي هي أكبر ما تكون".

الشيف حمدي كان يعمل حلاقا
لكن الحصار دفعه للعمل طباخا (الجزيرة)

من حلاق لطباخ
وعن نفسه يقول حمدي إنه كان يعمل حلاقاً قبل بدء الثورة السورية، كما عمل في أشغال مختلفة ساهمت في إعانة عائلته المكونة من زوجة وثلاثة أولاد على تكاليف الحياة.

ومع بدء الثورة شارك في الحراك السلمي والمظاهرات شأنه شأن معظم أبناء حي القابون، ليجد نفسه وعائلته تحت وطأة حصار خانق وقصف عنيف على الحي منذ بداية العام الفائت.

"لم أفكر بمغادرة القابون طيلة العام الماضي رغم القصف العنيف والحصار وصعوبة الحياة، لكنني قررت إخراج عائلتي خوفاً عليهم. وحين تحاصر الحي بشكل تام في يوليو/تموز الماضي، لم أجد بداً من البقاء".

ومع بقائه قرر حمدي أن يعمل طباخا لعشرات الشبان الذين اختاروا هم أيضاً الاستمرار في الدفاع عن الحي. ويضيف قائلاً: "رأيت أن الثورة تفتقر للكثير من الكوادر المتخصصة، فهنا لدينا طبيب جراح إلا أنه يعمل في كافة الاختصاصات لغياب الكثيرين غيره، ومع عدم وجود طباخ قررت البقاء والعمل بهذا المجال علّي أقدم شيئاً مفيداً".

وهكذا تحول إلى "الشيف حمدي" والذي بدأ بتعلم طرق إعداد الطعام و"وصفات سحرية" كما يسميها البعض من مواقع كثيرة على شبكة الإنترنت.

"أجد صعوبة في إعداد الطعام بسبب عدم توفر مادة الغاز، فلجأت إلى استخدام أدوات كهربائية عندما تكون متوافرة، كما أن الصعوبة الأكبر تكمن في تأمين المواد الغذائية".

كل ذلك لم يمنعه من إبداع أطعمة غريبة لكنها تتكون من مواد بسيطة هي بعض المدخرات الغذائية التي بقيت في الحي. وأضافت أطباقه الجديدة بعض الألق والتلون على حياة من بقي في الحي والتي تحولت إلى تعب وضيق بفعل الحصار.

الحلويات جزء من الأطعمة التي يعدها
الشيف حمدي في الحي المحاصر (الجزيرة)

وضع مأساوي
وعن حي القابون المحاصر، يقول حمدي إن الوضع داخل الحي "مأساوي" بسبب الحصار ونقص جميع المتطلبات المعيشية. فالطعام لم يعد متوافراً بشكل كافٍ، كما أن عشرات الأطفال يفتقرون للعب والدراسة في وقت تحولت فيه الحياة حولهم إلى حرب طال أمدها.

أما خارج الحي، حيث تعيش عائلة حمدي اليوم، فلا يقل الوضع سوءاً. "تعيش زوجتي وأولادي في قبو في العاصمة تحول إلى ملجأ، بينما تمكنت زوجة أخي الشهيد من الحصول على منزل صغير من بعض المتبرعين تسكن فيه مع أولادها ووالدتي العجوز".

ويقول حمدي إن الشعور بالندم لبقائه في الحي يعتريه في بعض الأحيان عندما تتناهى إلى سمعه أخبار عائلته التي لم يعد لها سوى قبو صغير تعيش فيه، وكذلك عندما يعرف بالظروف السيئة التي يعانيها من يعيش داخل دمشق التي لا تزال تحت سيطرة النظام. لكنه فخور ببقائه مع مقاتلي الجيش الحر ومن بقي داخل الحي، "ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لاخترت الخيار نفسه".

أما عن مستقبله، فيقول حمدي إنه لا يفكر بحياته الشخصية وإنما يتمنى فقط نجاح الثورة وإنهاء معاناة كافة المشردين والمحاصرين. "أنا متأكد من انتصار ثورتنا ومتفائل بذلك، لكنني أعلم يقيناً أن الأمر ليس بتلك السهولة، وأن النصر قد يستغرق وقتاً أطول مما نعتقد كي يتحقق".

المصدر : الجزيرة