الدينار الأردني يفقد قيمته الشرائية بشكل حاد بسبب التضخم الكبير وثبات الرواتب (رويترز)

محمد النجار-عمان

لا يُخفي بلال عسكر أنه بدأ يشعر تدريجياً بانتقاله من الطبقة الوسطى في الأردن نحو الطبقة الفقيرة، على وقع موجات الغلاء وارتفاع نسبة التضخم في بلد بدأ يتحول إلى واحد من أغلى البلدان في المنطقة بمستوى المعيشة، في وقت لا يقابله تحسن في مستوى أفراده الذين ترزح أغلبيتهم ضمن خطوط الفقر المختلفة.

يقول عسكر الذي يعمل مديراً بإحدى المؤسسات الخيرية الكبرى -للجزيرة نت- إنه بدأ يواجه في السنوات الأخيرة "ما يشبه الهجوم على وضعه المعيشي".

ومظاهر هذا الهجوم -وفق عسكر- تتمثل في موجات الغلاء المتلاحقة مقابل ثبات الدخل. ويقول "في السنوات الثلاث الأخيرة شهدنا في الأردن موجات غلاء غير مسبوقة، ورغم أنني مدير لإحدى الإدارات في مؤسستي فإن دخلي ظل ثابتاً، وبدأت أشعر تدريجياً بأنني أخرج شيئا فشيئا من الطبقة الوسطى".

ويلفت إلى أنه يلاحظ الشيء ذاته مع نظراء له كثر في محيطه، ويتحدث عن نفاد مدخرات البعض الذي كان يأمل في استثمارها مستقبلاً، عوضاً عن قيام آخرين بتغيير مكان سكنهم والاتجاه لمناطق أكثر شعبية أو لبيوت أصغر حجماً أملاً في توفير شيء من الدخل.

ويتابع عسكر "أعرف كثيرين ممن يصنفون ضمن الطبقة الوسطى، وتتراوح دخولهم بين ألف وألفي دولار، قاموا بنقل أبنائهم من المدارس الخاصة إلى الحكومية، نظراً لعدم مقدرتهم على دفع تكاليفها، فيما قام آخرون ببيع سياراتهم وشراء أخرى أقل ثمناً أملاً في ملاحقة متطلبات الحياة، بل إن تآكل مداخيل الطبقة الوسطى بدأ يؤثر في المناسبات الاجتماعية".

أردنيون يتسوقون في ظل غلاء طاحن (الجزيرة)

النجاح هاجس
الأمر ذاته يتحدث عنه أحمد العمري (تاجر متوسط) أكد أن دخله الشهري يصل إلى نحو ألفي دولار، إلا أنه يرى أن هذا الدخل لم يعد يلبي حاجاته، حيث بات ينفق نحو نصفه على إيجار المنزل، فضلاً عن الغلاء الذي شهدته البلاد في أسعار المحروقات والمواد الأساسية والكهرباء على القطاع التجاري، عوضاً عن مخاوفه من رفع الفاتورة على القطاع السكني مطلع العام 2014.

العمري (أب لطالب جامعي وخمسة أطفال) قال للجزيرة نت إنه اضطر مطلع العام الدراسي الجاري لنقل أربعة من أطفاله من مدارس خاصة إلى أخرى حكومية، وإنه سمح لزوجته بأن تبحث عن عمل لعلها تساعده على زيادة دخل الأسرة.

ويصف التحاق ابنته الكبرى بإحدى الجامعات الحكومية خارج المحافظة التي يقطن فيها بأنه كان أشبه بالنكبة التي حلت به، كما يقول.

وزاد "ابنتي تحتاج سنوياً إلى نحو 1500 دينار (2100 دولار) رسوما للجامعة، وتحتاج شهرياً إلى نحو 140 دينارا (مائتي دولار) نفقات للمواصلات ومصروف بالحد الأدنى، علاوة على الكتب وغيرها من الأمور".

ويضيف العمري "صحيح أن كل إنسان يفرح لنجاح أحد أبنائه وتفوقهم في الثانوية العامة، لكن مثل هذا الخبر أصبح ينزل كالصاعقة على معظم الأسر في الأردن، لأن دخول طالب للجامعة يرتب أعباء كبيرة، خاصة على أسر الموظفين الحكوميين، أو أصحاب الدخول التي لا تصل إلى ألفي دينار (2800 دولار) شهرياً".

الغلاء والتضخم زاد من الضغوط على الطبقة الوسطى بالأردن (الجزيرة)

فقراء القطاع العام
في هذا الإطار، تحدث الخبير الاقتصادي سلامة الدرعاوي عن تآكل واضمحلال الطبقة الوسطى في الأردن بالسنوات العشر الأخيرة بسبب مظاهر عدة.

وقال إن "الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة ومعدلات التضخم بسبب ارتفاع الأسعار زاد من الضغوط على الطبقة الوسطى التي خرجت نسب كبيرة منها نحو الطبقة الفقيرة".

ويشير الدرعاوي إلى أن قيمة العملة الأردنية خسرت بين 25% و30% بالعقد الأخير "وهو ما عرض -وفق دراسات كثيرة- الأمن المعيشي للأردنيين بشكل عام وأبناء الطبقة الوسطى بشكل خاص لمخاطر كبرى".

الخبير الاقتصادي تناول في حديثه للجزيرة نت الخسائر التي منيت بها تداولات البورصة في السنوات الأخيرة والتي كان يتداول بها نحو سبعين ألف مواطن "الأمر الذي أدى إلى اهتزاز أركان الأمن المعيشي لهؤلاء بشكل كبير".

وكشف عن ضغوط أخرى تعرضت لها هذه الطبقة تمثلت في تشدد البنوك في منح التسهيلات والقروض بسبب ارتفاع حجم المخاطر، مما زاد الأعباء على أسر الطبقة الوسطى، سواء تلك التي تريد تمويل شراء منازل، أو قروض طلاب جامعيين أو حتى لتوفير سيولة تساهم في رفع الأعباء أمام الضغوط الكبيرة على الحياة المعيشية.

وكانت دائرة الإحصاءات العامة قد كشفت قبل ثلاث سنوات أن 83% من العاملين بالقطاع الحكومي يحصلون على دخل أقل من ثلاثمائة دينار (425 دولاراً) في ظل خط فقر مطلق كان يساوي وقتها نحو 450 دينارا (640 دولارا).

ووفق الدرعاوي، فإن دراسات محلية ودولية تشير الآن إلى أن معدل خط الفقر المطلق بالمملكة يصل إلى نحو 860 ديناراً (نحو 1100 دولار) وهو ما أدى لخروج آلاف الأسر من الطبقة الوسطى نحو الفقيرة.

ويترافق ذلك كله مع اتساع جيوب الفقر في المملكة والتي ارتفعت من عشرين جيباً إلى 31، وفق دائرة الإحصاءات الرسمية العام الماضي.

ومقابل تقديرات تشير إلى أن نسبة أبناء الطبقة الوسطى بالأردن لا تزيد على 35%، يتحدث الدرعاوي عن دراسات كشفت عن أن عدد الأسر الغنية لا يتجاوز ألفين، بينما ترزح بقية المجتمع تحت خط الفقر، وهي طبقة تتسع في ظل تآكل الطبقة الوسطى وعدم تحسن أوضاع الفقراء.

المصدر : الجزيرة