عاطف دغلس-قصره

بينما كان الشيخ المسن محمد عبد القادر يردد قائلاً "شباب قصره رفعوا رأس فلسطين عالياً"، كنا نسير بمحاذاته برفقة المواطن عبد الحكيم أحمد الذي قادنا إلى حيث تلقى المستوطنون قبل أيام قليلة ضربة مميتة على أيادي شبان القرية، بعدما هاجموها واقتلعوا أشجارها.

وشكلت حادثة قرية قصره جنوب شرق مدينة نابلس الأربعاء الماضي نقطة تحول في حياة السكان من جهة، وسابقة في ردع المستوطنين من جهة أخرى.

محمد عبد القادر يتغنى ببطولة أبناء قريته قصره (الجزيرة)

ومثل الشيخ عبد القادر (85 عاماً) الكثيرون من أهالي القرية وغيرهم من الفلسطينيين الذين باتوا يتغنون بعمل قصره "البطولي" واحتجاز المستوطنين وتلقينهم درساً لن ينسوه.

يقول عبد الحكيم (45 عاماً) إن البداية كانت عندما هاجم مستوطنون من مستوطنتي "كيدا" و"ييش كودش" صباح ذلك اليوم مزارعين في بلدة قصره كانوا يعتنون بأراضيهم، فاقتلعوا نحو 30 شجرة زيتون.

ويضيف "ووقت الظهيرة، لم يكتفِ المستوطنون بما فعلوه فهاجموا المواطنين بالقرية، وأصابوا الشاب فؤاد حسن بجروح في رأسه وكسر برجله".

أما المواطن محمود طوباسي، الذي كان يحرث أرضه عندما اعتدى عليه المستوطنون بقصد قتله، فلم ينقذه منهم إلا وصول شبان القرية في الوقت المناسب.

مواطنة من قصره تنظف أرضها من الحجارة تمهيداً لزراعتها (الجزيرة)

مطاردة بين الجبال
وطارد شبان قصره المستوطنين لمسافة تزيد عن سبعة كيلومترات بين الجبال إلى أن ألقوا القبض عليهم في منزل قيد الإنشاء بين قريتهم وقريتي جالود وقريوت المجاورتين.

وهناك، حاول المستوطنون المسلحون بأدوات حادة وعصي و"بلطات" الاعتداء ثانية، لكن الشبان جردوهم من أسلحتهم البيضاء وانهالوا عليهم ضرباً، ورفضوا تسليمهم لجيش الاحتلال إلا بحضور ضابط الارتباط الفلسطيني لتثبيت اعتداء المستوطنين، بحسب رواية عبد الحكيم.

ويضيف عبد الحكيم أن الشبان الفلسطينيين فعلوا ذلك مخافة أن يدعي الجيش الإسرائيلي عكس ذلك تغطية لجرائم المستوطنين.

رسائل الدعم
أما الأهالي فلا يلقون لرواية الاحتلال للحادثة بالاً بعدما استطاعوا النيل من المستوطنين، فأضحوا محل احترام شعبي.

11 ألف شجرة زيتون قدمتها الإغاثة الزراعية لدعم صمود قصره (الجزيرة)

وللتعبير عن امتنانه وإعجابه، اقتلع أحد المواطنين من أهالي قرية مجاورة شجرة زيتون رومي من أرضه وقدمها هدية لأهالي قصره، دعماً لصمودهم. وما انفكت وسائل الإعلام تواصل زياراتها المكوكية للقرية، بينما أبدت مؤسسات إغاثة وتنموية أهلية مؤازرتها ومساندتها للقرية.

وقدمت مؤسسة الإغاثة الزراعية 11 ألف شجرة زيتون، ستزرع بالأماكن التي يتهددها الاستيطان دوماً، بحسب مدير فرعها بنابلس ضرار أبو عمر.

ويضيف أبو عمر قائلاً إنهم يوجهون بذلك رسالة تضامنية مع الأهالي، ولن يتركوهم لقمة سائغة للمستوطنين والجيش.

وقال رئيس مجلس القرية عبد العظيم وادي إن قصره لا تنشد أية مكافأة بقدر ما تسعى لنيل حقوقها وحظها من مشاريع الدعم التي تقدمها السلطة الفلسطينية، ومن أهمها تحويلهم لمجلس بلدي مما يساهم في تيسير أحوالهم المعيشية وتقديم الخدمات لهم.

وأردف بالقول إن أكثر من ثلثي أراضي قصره، المقدرة بنحو 27 كيلومترا مربعا، صادرتها سلطات الاحتلال لإقامة أربع مستوطنات فوقها، كما دمر المستوطنون نحو 3 آلاف شجرة زيتون وغرفاً زراعية وآبار مياه خلال السنوات الثلاث الماضية.

الحاجة أم أكرم عاودت وأحفادها العمل بالأرض في تحدٍ للمستوطنين (الجزيرة)

إصرار وتحد
وأمام كل هذا تُصر المسنة أم أكرم داود على المضي قدماً في فلاحة أرضها وتحدي المستوطنين، حيث اصطحبت جميع أفراد عائلتها للأرض دونما خوف من مستوطنين أو غيرهم.

وتضيف أن حالها باتت تشبه الكثير من أهالي القرية الصامدين في أرضهم "حتى لو اضطررنا لزراعة الأشجار مرة تلو أخرى بعد قلع المستوطنين لها".

وتعد قصره، التي تصر على الدفاع عن نفسها، أول قرية تشكل لجان حراسة شعبية لمراقبة المستوطنين وصد اعتداءاتهم، ولتفقد أحوال المزارعين.

المصدر : الجزيرة