أوباما لم يقنع حلفاءه بجدوى الضربة العسكرية المحدودة لنظام بشار الأسد  (غيتي إيميجز)

علي صبري - الدوحة

تمثل المبادرة التي طرحها وزير الخارجية الأميركي جون كيري وتلقفتها دمشق بالموافقة على وضع السلاح الكيميائي تحت الرقابة الدولية، مخرجا لكافة الأطراف التي عاشت أزمة "الضربة العسكرية" على مدى أسبوعين، منذ إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما نيته توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري عقب القصف الكيميائي على ريف دمشق.

فدمشق وجدت في المبادرة مخرجا لتجنب ضربة مؤثرة تستهدف مراكز قوتها العسكرية، على أقل تقدير، كما تقول واشنطن. بينما تذرعت واشنطن بهذه المبادرة لخروج أوباما بماء وجهه، بعد عجزه عن تأمين ما يكفي من الحلفاء الدوليين، فضلا عن فشله عن إقناع برلمان بلاده بخطته، حتى الساعة.

وتبدو خطة أوباما بتوجيه ضربة محدودة وسريعة لمعاقبة النظام السوري، وليس إسقاطه، غير مقنعة لغالبية المشرعين الأميركيين، والرأي العام الأميركي من ورائهم، بعد أن خسر حليفه التقليدي بريطانيا، لذات السبب، وهو عدم قناعة البرلمان بجدوى الضربة.

وفي حال عدم انتهاء الأزمة بعد موافقة دمشق على وضع أسلحتها تحت المراقبة الدولية أو تسليمها، فإن الجدل حول محدودية الضربة وسرعتها سيعود من جديد.

حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقديرها لخطة الضربة العسكرية من أنها "ستؤدي إلى تصعيد العنف في سوريا، وأن الفصائل المسلحة ستسعى في الوقت نفسه إلى انتهاز الفرصة لتحقيق مكاسب إضافية على الأرض"

تمدد الضربة
ويخيم على واشنطن شبح تجارب الحروب السابقة التي خاضتها وكانت كلفتها المادية والسياسية والبشرية كبيرة، وهو ما يدفع بكثير من أعضاء الكونغرس إلى معارضة توجه أوباما في خوض عمل عسكري لا يسقط نظاما "معاديا" كما يعلن البيت الأبيض، ولا يضمن ثمار العملية العسكرية، دون أن تتدحرج كرة الثلج لتصبح الضربة حربا إقليمية.

ويستذكر السناتور الأميركي توم أودال قرار التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، الذي ما إن حظي بموافقة الكونغرس حتى تغير هدف الحملة من حماية المدنيين المعرضين للخطر إلى تغيير النظام.

وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية في تقديرها لخطة الضربة العسكرية للنظام السوري، من أنها "ستؤدي إلى تصعيد العنف في سوريا، وأن الفصائل المسلحة ستسعى في الوقت نفسه إلى انتهاز الفرصة لتحقيق مكاسب إضافية على الأرض".

ونبهت المجموعة إلى إمكانية حدوث تصعيد إقليمي أو دولي، مشيرة إلى احتمال وقوع أفعال انتقامية من قبل النظام أو إيران أو حزب الله، لا سيما ضد إسرائيل. وهو ما لن يسمح لواشنطن الانسحاب من المعركة في مثل هذا التشابك والتعقيد.

ويعتقد جونا بلانك المحلل السياسي بمؤسسة راند الأميركية، أن "هناك مخاوف" من أن تؤدي الضربة إلى تقوية جبهة النصرة والفصائل المسلحة الأخرى، وفرض مزيد من الانتشار والسيطرة على الأرض، بعد الفراغ الذي قد يخلفه تراجع قوات النظام بسبب الضربات المؤثرة.

ولعل هذا ما سيدفع واشنطن إلى الالتزام بمحدودية الضربة زمانا ونطاقا، ويردعها عن العمل على إسقاط نظام الأسد، خشية وقوع مخزون السلاح الكيميائي في يد الجماعات المسلحة. وهو ما عبر عنه وزير الدفاع الأميركي السابق ليون بانيتا.

تبقى المخاطرة واردة في تقدير المسؤولين الأميركيين، مثل إصابة أهداف مدنية ومقتل مدنيين في عمليات القصف، أو استخدام النظام السوري وحلفائه صواريخ بعيدة المدى كالتي تملكها إيران واستهداف حلفاء واشنطن مثل إسرائيل والأردن وتركيا.

ولا يستبعد كين بولاك المحلل السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية، المختص بالشرق الأوسط، أن "يلجأ الأسد إلى استخدام الكيميائي مرة أخرى إذا كانت الضربة محدودة وغير مؤثرة على قوته بشكل حقيقي".

كين بولاك: قد يلجأ الأسد إلى استخدام الكيميائي مرة أخرى إذا كانت الضربة محدودة وغير مؤثرة على قوته بشكل حقيقي

رسالة لطهران
غير أن خبراء أميركيين يعتقدون أن الهدف من ضرب دمشق هو إرسال رسالة إلى طهران، مفادها أن واشنطن جادة في ضرب أية برامج عسكرية غير تقليدية، مثل البرنامج النووي الإيراني.

ويقول الدبلوماسي الأميركي المعروف دينس روس "إذا ما كانت هناك ضربة محددة ومؤثرة على النظام السوري، فإن أثرها على الإيرانيين سيكون حتميا".

ولا تقل الخشية من ارتفاع الكلفة المالية عن الكلفة العسكرية لدى بعض المؤثرين في القرار الأميركي، خصوصا وأن الولايات المتحدة تمر بأزمة مالية حادة.

وقال تود هاريسون محلل ميزانية الدفاع بمركز التقييمات الإستراتيجية والميزانية "اندهشت عندما سمعت تشاك هيغل يقول إن تكلفة الضربة ستكون عشرات الملايين من الدولارات، إنه تقليل متعمد من حجم التكلفة".

ويعتقد هاريسون أن "تكلفة العملية في سوريا قد تصل إلى ما بين نصف مليار ومليار دولار، وفقا لعدد الأهداف التي سيهاجمونها".

المصدر : الجزيرة