عاطف دغلس- نابلس

ينطلق الحاج موسى العريض (أبو حسام) وزوجته باكرا إلى واد المطوي في مدينته سلفيت شمال الضفة الغربية، راكبا تارة وراجلا أحيانا أخرى، بحثا عن نبات الشومر العشبي في عمل ورثه عن أبيه وأجداده.

وتشكل ساعات الصباح ذروة عمل الحاج أبو حسام (83 عاما) حين تكون قطرات الندى لا تزال تداعب شجيرات الشومر، ويروح نسيم الوادي بها تارة نحو اليمين وأخرى شمالا، فيسهل عليه جنيها وتجميعها بسهولة ويسر "فالأجراس تكون متماسكة والثمار ناضجة".

رافقنا أبو حسام في إحدى جولاته، ورأينا عن قرب حكايته مع الشومر الذي بات مهنة لعشرات العائلات بالمدينة التي يغلب عليها طابع الزراعة.

ويروى أبو حسام للجزيرة نت قصة صموده على أرض صادر الاحتلال أكثر من ثلثيها ولا يزال يُهدّد ما تبقى منها، فيقول "نقطف الشومر البلدي منذ نحو عشرين عاما كتجارة، لكننا نتعامل معه في احتياجاتنا الخاصة منذ سنين طوال".

عملية فرك الشومر واستخراج الثمار منه (الجزيرة)

ويبدأ الحصاد في أغسطس/آب وينتهي في نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام، وهي فترة تشتد فيها درجات الحرارة وينضج الثمر.

ويثني أبو حسام العروق الممتدة للأعلى في كيس لتسقط فيه الثمار ولا يضيع منها شيء، في مواظبة لا تعرف الكلل ولا الملل، وحتى بعد أن اقترب وقت الزوال لاحظنا أنه لا يزال بكامل قوته ورشاقته متنقلا بين منطقة وأخرى ليستكمل عمله، فلقمة العيش كما يقول لا تأتي بسهولة.

لقمة بطعم المرار
ويقول أبو حسام وحبات العرق تتصبّب على وجنتيه لتزيدها حرقة فوق حرقة الشمس المتوهجة "هذا العمل يشكل مصدر دخل لي ولكثير من الأسر، فأنا أجني قرابة 25 كيلوغرام سنويا، وأبيع الكيلو الواحد بـ25 دولارا".

وبعد جني الشومر يتم تجفيفه لعدة أيام، ثم فركه واستخلاص البذور الصغيرة الصافية منه، ليتم تجميعها بعد ذلك وغربلتها مرة أخرى لبيعها نظيفة.

ويُستخدم الشومر البلدي -الذي تشتهر بإنتاجه سلفيت دون غيرها ويقطف مرة كل أسبوع- في عمل الحلويات كالكعك، وكشراب ساخن يُضاهي الشاي بطيب طعمه ويفوقه لذة، ويُعد من الأعشاب الطبية المعالجة لكثير من الأمراض.

تابع الحاج أبو حسام كلامه بعد أن استوقفنا للحظات بينما كان يعد نفسه للمغادرة "قطف الشومر يأتي مكملا لعملي في موسم الزيتون وحراثة الأرض ورعايتها، وأجني كذلك نباتات الزعتر والسماق البلدي وأبيعها".

ومن هنا وهناك يجمع أبو حسام قوته وزوجته، ويستعين بهذه النباتات على مصاعب الحياة، ورغم ذلك لم يفكر الحاج في بيع ما يجنيه من الشومر وغيره في السوق المحلي خارج مدينته، وقال "المنتج كله يباع بالمدينة هنا ويكفي حاجتها".

وما ينتجه أبو حسام من الشومر والسماق والزعتر وغيرها من النباتات البرية والزيت يكفي حاجته، كما تقول زوجته التي تساعده أيضا في عمل سلال القش التراثية المصنعة من أغصان الزيتون والقمح المختلفة.

مجاري المستوطنات تزيد الطين بلة بمدينة سلفيت وتدمر المزروعات (الجزيرة)

المجاري
وبينما تفوح رائحة الشومر والنباتات الجبلية بواد المطوي، تجتاح المكان بين الفينة والأخرى روائح كريهة منبعثة من مجاري المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي المدينة، مسممة الشجر والحجر والأجواء أيضا.

وليست المجاري فقط ما يزعج أبو حسام الذي تصادر إسرائيل ثلاثين دونما من أرضه (الدونم= ألف متر مربع) فاعتداءات جيش الاحتلال وسلطة البيئة الإسرائيلية أشد، إذ تعتبر إسرائيل مناطق كثيرة في سلفيت مناطق محميات طبيعية.

وتُدخل نباتات عدة تحت هذا التصنيف، وبالتالي تحرم على المواطنين قطافها، كما يقول مدير زراعة سلفيت إبراهيم الحمد.

كما تزيد الملوثات الناجمة عن المستوطنات وخاصة الصناعية كـ"أرائيل" و"بركان" الأمر سوءا فتحرق المزروعات وتسممها.

ويضيف المسؤول الفلسطيني أن الخنازير البرية المتوحشة التي يطلقها المستوطنون تعيش بالآلاف بأراضي المواطنين في سلفيت وتفتك بزراعاتهم وتعتدي عليهم وتهاجمهم هي الأخرى.

يُذكر أن سلفيت تقع على أكبر حوض مائي بفلسطين، ومع ذلك يرفض الاحتلال السماح بحفر بئر ارتوازية "على أعماق كبيرة" فيها، ويقيم عليها 25 مستوطنة مقابل 18 تجمعا فلسطينيا، ويصادر أكثر من 50% من أراضيها.

المصدر : الجزيرة