الدولة الإسلامية في العراق والشام شنت حملة عسكرية على إعزاز التي يسيطر عليها الجيش الحر (الفرنسية)

بسمة أتاسي

لم تعد الاشتباكات والتوترات بين الجيش السوري الحر وبين ما يعرفون بـ"الجهاديين" على نطاق فردي أو محدود، بل باتت أخبارها تطغى على الاشتباكات مع الجيش النظامي. وكان أحدث هذه الاشتباكات ما جرى بين الطرفين في بلدة إعزاز على الحدود التركية.

وشنت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التي تصنفها واشنطن منظمة إرهابية، حملة عسكرية على إعزاز التي يسيطر عليها الجيش الحر، وقتلت العشرات من عناصره واعتقلت المئات بحسب ناشطين محليين.

اللافت في هذه الحملة إطلاق "داعش" (قيادتها في العراق وتضم عناصر غير سورية كثيرة) على حملتها العسكرية وصف "تنقية الخبث".

وأضاف بيان للمنظمة أن الحملة تستهدف "عملاء النظام والشبيحة ومن قام بالاعتداء السافر على الدولة الإسلامية وعلى رأسهم كتيبتا "الفاروق" و"النصر" (التابعتان للجيش الحر) وذلك بعد ثبوت تورطهم في هذا العمل الجبان وتحريضهم ودعمهم وقتالهم واستهدافهم لجنود الدولة الإسلامية".

ما وصفه بيان "داعش" بالعمل الجبان كان اقتحام الكتيبتينْ لمدرسة حولتها "داعش" لمقر لها، وقامتا بطرد العناصر منها. والجدير ذكره أن "داعش" رفضت اتفاقا عقد بين ثوار إعزاز، لتحييد المؤسسات التعليمية والسماح للطلاب بالعودة لمدارسهم وانطلاق عام دراسي جديد.

وغير بعيد عن حلب، فالوضع الميداني شرقي دير الزور قرب الحدود العراقية ليس أفضل حيث دارت في مدينة البوكمال اشتباكات عنيفة بين "جهاديين" ولواء "الله أكبر" التابع للمجلس العسكري الأعلى الذي يسيطر على المدينة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2012 بعد طرد قوات الأسد منها.

اتهامات وصحوات
وشهد شمال شرق محافظة الرقة اشتباكات بين مقاتلي "داعش" وكتائب "أحفاد الرسول" التابعة للجيش الحر. وتتهم "داعش" كتائب "أحفاد الرسول" بالتعاون مع قوات النظام، وتفجير مقرها الرئيسي في المحافظة واعتقال عدد من عناصرها.

 "داعش" اتهمت كتائب "أحفاد الرسول" بالتعاون مع قوات النظام، وتفجير مقرها الرئيسي في المحافظة واعتقال عدد من عناصرها

ولم تكتف "داعش" بهذه الاتهامات بل ذهبت لحد نشر فيديو لقائد الكتائب يعترف فيه بأنه "عميل للمخابرات الفرنسية".

هذه الاتهامات رد عليها أحد عناصر الكتائب في حديثه مع الجزيرة بالقول "لو كنا عملاء للنظام لما وجدتمونا نحاربه في المناطق الساخنة"، وتابع أن "داعش" تحاول الاستيلاء على المناطق الإستراتيجية التي سيطر عليها الثوار بعد أشهر من المعارك مع قوات الأسد، وأشار إلى أن "عناصر "داعش" لا يتواجدون في المناطق الساخنة لمقاتلة النظام".

وقبل تصاعد هذه الاشتباكات بدأت "داعش" ومثيلاتها من التنظيمات العاملة على الأرض بوصف عناصر الجيش الحر "بالصحوات" على شاكلة "قوات الصحوات العراقية التي أسست عام 2005 لمساعدة السلطات في مواجهة عناصر القاعدة بالعراق. وهناك بعض المؤشرات التي تفيد بأن واشنطن تُخطط لتشكيل مجموعات مسلحة كالصحوات في سوريا.

الحديث عن الصحوات لم يكن فقط على مستوى الميدان بل خرج زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في ذكر هجمات 11 سبتمبر ليقول إن "الصحوات التي تسعى أميركا لتشكيلها في شامكم المبارك ستدمَّر بعون الله"، وحثَّ الظواهري المجموعات الإسلامية بعدم التوافق مع الليبراليين وأعداء الإسلام".

وزادت الضربة العسكرية التي هددت بها أميركا من حدة الانقسام  بين المقاتلين على الأرض وعمقت مخاوف الجهاديين من العلمانيين والمجموعات الإسلامية المعتدلة. ويقول الجهاديون إن الضربة الأميركية في حال حصلت لم تكتف بضرب النظام ومواقعه، لأن الهدف الثاني سيكون "مواقع المجاهدين في المناطق المحررة بحجة الحرب على الإرهاب".

مشروع إسلامي
وتحسبا لهذه الضربة قامت "داعش" بإخلاء عدة مراكز في حلب، وقامت بإعادة التموضع في مراكز سرية في الأرياف، وكذا اتخذ قادة جبهة النصرة إجراءات أمنية جديدة بحسب مصدر في الجبهة رفض الكشف عن اسمه.

الجربا دعا لتشكيل جيش وطني قوامه ستة آلاف عنصر لتوحيد الثوار ومواجهة الجهاديين (الجزيرة)

وأعرب المصدر في حديثه للجزيرة عن اعتقاده أن واشنطن أرادت التدخل في سوريا لأن "المنظومة الأميركية" على الأرض بدأت تخسر الأرض لصالح "الجهاديين"، وتابع أن "أميركا قد تتدخل بسبب خروج التطورات عن الحسابات الأميركية. الشارع السوري الذي -بات أكثر تلاحماً مع الإسلاميين من أجل مشروع إسلامي في سوريا- يرفض المشاريع التي تدعمها أميركا والغرب، ومنها مشروع الجربا".

ومشروع رئيس الائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا يدعو لتشكيل جيش وطني سوري قوامه ستة آلاف عنصر مدربين بشكل جيد يسعى لتوحيد مئات الكتائب على الأرض ومواجهة نفوذ "الجهاديين".

ولكن هذا المشروع لا يزال مقترحا لم يترجم على الأرض بسبب نقص في المصادر اللوجستية والمالية بحسب المنسق السياسي والإعلامي للجيش الحر لؤي المقداد.

ويضيف المقداد للجزيرة أن المشروع "يهدف لإنشاء جيش وطني يدافع عن السوريين من كل من يقتلهم، إن كان النظام أو أي جهة أخرى. وإذا كان الجهاديون يضعون أنفسهم بموقع من يقتل الشعب السوري فهذا شأنهم".

أخطاء العراق
ولكن هناك من يرى أن ليس هناك مخطط لتشكيل "قوات صحوة سورية" تقف بوجه "الجهاديين"، كحال الخبير في الجماعات الجهادية وتنظيماتها بمعهد واشنطن أرون زيلين.

أرون زيلين: الجهاديون تعلموا من أخطائهم في العراق وتحديدا الاستخدام المفرط للعنف، واستهداف المسلمين السنة، ومحاولة تطبيق الشريعة بأضيق تفسيراتها

ويضيف زيلين أن الجهاديين تعلموا من أخطائهم في العراق، وتحديدا "الاستخدام المفرط للعنف، واستهداف المسلمين السنة، ومحاولة تطبيق الشريعة بأضيق تفسيراتها".

وكلام زيلين تدعمه وقائع أن المجموعات الجهادية، وتحديدا جبهة النصرة، طورت منظومة اجتماعية لكسب رضا وتعاطف الناس في المناطق التي تسيطر عليها، وينظر لها على أنها "عادلة ونزيهة" وخصوصا إذا ما قُورنت بجماعات أخرى لجأت إلى السلب والنهب وقطع الطرق.

وعن هذا يقول زيلين، إن النصرة "تمارس نوعا من الحكم وتتواصل مع الناس، وبهذا يستطيعون أن يظهروا للناس أنهم ليسوا وحوشا كما يتم تصويرهم".

ورغم كل هذا يبدو أن الناس لا تتقبل هذه المجموعات، والتوترات المتصاعدة بينهم وبين السكان خير دليل على هذا، وخصوصا بعد ملاحقة واعتقال وسجن ناشطين لمجرد انتقادهم للإسلاميين، ناهيك عن الإعدامات العلنية للموالين للأسد. وفي هذا السياق اعتقلت "داعش" صحفيا محليا في حلب بعد إطلاقه حملة على موقع تويتر تحت عنوان "داعش لا تمثلني".

ويلخص الخبير والباحث الأميركي الصورة بالقول "إن المجموعات المنضوية تحت المجلس العسكري الأعلى لا تستطيع محاربة الجهاديين، لأن ساحات القتال ضد النظام متداخلة، وبما أن المجموعات جميعها بنفس مستوى التسليح والكفاءة ولا يستطيع أحد حسم الصراع على الأرض، فهم بحاجة للعمل معا للتخلص من النظام والنجاة".

المصدر : الجزيرة