مدرعات الجيش ما زالت ترابط في مداخل قرية دلجا (الجزيرة)
يوسف حسني-دلجا
 
"ممنوع الاقتراب أو التصوير" ليست هذه لافتة على منشأة أو منطقة عسكرية، بل هو واقع فرضته قوات الأمن المصرية على قرية "دلجا" التابعة لمركز ديرمواس في محافظة المنيا الواقعة بوسط الصعيد في جنوب مصر.

وتضرب قوات الأمن طوقًا أمنيًا مشددًا على القرية، وتخضع كل وافد إليها أو خارج منها  للتفتيش الذاتي، بينما يتم احتجاز القادمين من غير أبناء المنطقة حتى يتم التأكد من أسباب قدومهم إلى القرية التي تتسم علاقة أهلها بأفراد الأمن المتواجدين فيها بالتوتر الواضح والارتياب المتبادل.

ورغم أن الحياة في شوارع القرية تبدو وكأنها تسير على وتيرتها العادية إلا أن مناطق بعينها لا يمكن لأحد الاقتراب منها، حيث الانتشار المكثف لقوات الأمن وخاصة في محيط مقر الشرطة بدلجا الذي تم إحراقه عقب فض اعتصام مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي بميداني رابعة والنهضة، وكذلك محيط الكنائس التي تم حرقها أو تخريبها.

أما الاقتراب من المنازل التي استهدفتها الحملة التي نفذتها قوات الجيش والشرطة قبل أيام، فيخبرك عن فداحة وحجم القوة التي تم استخدامها تجاه هذه القرية الصغيرة، التي يحكي أهلها كيف اقتربت المروحيات منها وأنزلت أعدادا كبيرة من الجنود، بالتزامن مع إطلاق نار كثيف استهدف المنازل والشوارع قبل أن تتقدم مدرعات الجيش والشرطة إلى داخل القرية.

أحمد الدلجاوي (الجزيرة)

ذكريات الاقتحام
يقول أحمد الدلجاوي -وهو أحد الشباب الرافضين للانقلاب العسكري- "كانت هذه هي المرة الأولى التي أشم فيها رائحة الغاز، لأنني لم أشارك في مظاهرات قبل ذلك"، مضيفا أنه لا يوجد رجل أو امرأة أو طفل بالقرية لم يشعر بالفزع من هذه الرائحة التي لم يعهدوها، لدرجة أن عددا من السكان تصور أن الشرطة أطلقت غازا ساما لقتل الجميع.

ويؤكد الدلجاوي في حديثه مع الجزيرة نت أن الشرطة كانت تطلق الخرطوش بشكل عشوائي على أي تجمعات، وهو ما أدى إلى إصابته هو وعدد كبير من الأهالي، ولكنهم لم يذهبوا إلى أي مشفى لتلقي العلاج خوفا من الاعتقال على حد قوله.

وعما يتردد عن مقاومة الأهالي لقوات الأمن، يؤكد أبو العلا خلف -أحد شباب القرية- للجزيرة نت أن "اثنين أو ثلاثة على أكثر تقدير هم الذين قاوموا عملية اعتقالهم وواجهوا الرصاص بالرصاص، أما باقي المطلوبين فمنهم من اعتقل ومنهم من هرب ولم يعد حتى الآن.

ويتساءل أبو العلا -الذي لم ينل حظا من التعليم ويعمل بائعا ولم يشارك في أي مظاهرة- "لماذا يسقطون الشرعية ويحاربون الإسلام؟ هل يعقل أن دلجا تغلق جوامعها ويعتقل فيها الشيوخ بدلا من اللصوص؟" مشيرا إلى 26 مسجدا قد منعت فيها صلاة الجمعة بناء على قرار من السلطة الحاكمة، أشهرها مسجد الزقالفة بوسط القرية، وهو ما أكده كثير من أبناء القرية.

أبو العلا خلف (الجزيرة)

الشرعية
ويحرص معارضو الانقلاب في دلجا باختلاف ثقافاتهم على استخدام لفظة الشرعية، وهو حديث ليس مستغربا بالنظر إلى تجذر التيار الإسلامي وتوغله في القرية، ولاسيما جماعة الإخوان المسلمين، التي يقولون إن لها تاريخا في العمل الدعوي والاجتماعي والسياسي بالقرية، وإن العشرات ممن ينتمون لها من أبناء القرية قد اعتقلوا لسنوات طويلة في عهد الرئس المخلوع حسني مبارك.

ويظهر من التقيناهم من أبناء القرية حنقا على الإعلام المحلي وسلطات الانقلاب التي تتهم المنتمين للتيار الإسلامي بممارسة العنف أو التحريض عليه، ولذلك فهم يرفضون الحديث إلى أي إعلامي يعمل بهذه القنوات التي يتهمونها بتشويه صورتهم وتبرير مهاجمتهم واعتقالهم.

وفي الوقت نفسه، فلم يكن غريبا أن نلاحظ أن سكان القرية يتعاملون مع الزوار والغرباء بخوف وتوجس شديدين، ويرجعون ذلك إلى انتشار المرشدين التابعين لأجهزة الأمن، لكنهم مع ذلك يواصلون تظاهرهم بشكل يومي للتأكيد على تمسكهم بالشرعية رغم الحصار وحظر التجول، ويتجمعون غالبا أمام مسجد الرحمن قبل أن تتفرق المسيرات لتجوب شوارع القرية باستثناء محيط مقر الشرطة الذي تتمركز به القوات حاليا.

ورغم استمرار تواجد قوات الجيش والشرطة في أطراف القرية، ورغم تناثر آثار الحملة العسكرية عليها هنا وهناك، إلا أن المثير أن هتافات متظاهري القرية ما زالت على حالها، وما زال النقد الأكبر فيها يتوجه إلى الانقلاب العسكري وإلى قائد الجيش عبد الفتاح السيسي، مؤكدين أن عشرات الحملات العسكرية لن تجبرهم على تغيير مواقفهم وقناعاتهم.

المصدر : الجزيرة