الدراسة: الفصائل تنظر للصراع من الزاوية العقائدية والطائفية بدرجة أولى (رويترز)

محمد النجار-عمّان

خلصت دراسة جديدة إلى وجود اتجاهات متباينة للتيارات الإسلامية التي باتت الوجه الأبرز للثورة السورية على نظام بشار الأسد، تتفاوت فيما بينها في درجة الاعتدال أو التشدد.

الدراسة التي أعدها الباحث محمد أبو رمان وحملت عنوان "الإسلاميون والدين والثورة في سوريا"، ونشرتها مؤسسة "فريدريش آيبرت" الألمانية في كتاب نشر في العاصمة الأردنية عمّان الثلاثاء، وضعت خارطة مفصلة لاتجاهات الحركات الإسلامية الناشطة في الثورة، وقرأت مستقبل هذه التيارات خلال الثورة والسيناريوهات في حال سقوط نظام بشار الأسد.

وعرض أبو رمان أمام عدد كبير من الباحثين والمتخصصين والدبلوماسيين لاتجاهات الإسلاميين في الثورة السورية، والتي لخصها بأجندات خمس، هي: الإخوان المسلمون، والسلفية، والسلفية الجهادية والقاعدة، والأجندة المشيخية الصوفية، وأخيراً الإسلامية الوسطية العامة.

الدراسة رأت أن أولويات الأجندة "الإخوانية" في الثورة السورية هي الحرص أولا على إسقاط النظام الحالي، بالتوازي مع إعادة بناء وترميم مؤسسات الجماعة وحضورها الحركي والسياسي، والعودة إلى المجتمع السوري بعدما فقدت جزءا كبيرا من ذلك منذ خروجها بعد الصدام الدموي مع النظام عام 1982، إضافة لدعم العمل المسلح، وتأسيس مجموعات مرتبطة بالجماعة وزيادة نفوذها السياسي في الداخل والخارج.

الأكثر حضورا
أما الجماعات السلفية، فهي الأكثر حضورا وقوة في الثورة السورية بحسب الدراسة، فعلى الصعيد العسكري تضع الدراسة "الجبهة الإسلامية"، التي تتشكل من كتائب: أحرار الشام والفجر والطليعة المقاتلة ولواء الحق وغيرها، كمعبّر رئيس عن الأجندة المحلية للجماعات السلفية، وتتوافق معها على هذه الأجندة فصائل أخرى تنضوي تحت لواء "جبهة التحرير الإسلامية" التي تضم فصائل منها كتائب التوحيد والفاروق، والفاروق الإسلامية، وصقور الشام، ولواء الإسلام.

أبو رمان: من المحتمل أن تتعزز حالة الصدام والصراع بين التيارات الإسلامية (الجزيرة)
وتتابع الدراسة أن أجندة هذه الفصائل تتمثل في التخلص من النظام الحالي كأولوية مطلقة، وتشترك مع الفصائل الإسلامية الأخرى في العمل المسلح، وإدارة "المناطق المحررة"، وتتوافق على مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية خلال الثورة وما بعدها. ويشارك بعضها في تأسيس ودعم الهيئات الشرعية التي تتولى القضاء وفق أحكام الشريعة، ودعم هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يطرح تساؤلات جوهرية على إيمانها بالحريات الفردية والقوانين الوضعية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة.

الأجندة الثالثة العاملة ضمن فصائل الثورة السورية هي أجندة تنظيم القاعدة، ويعبر عنها بشكل أساس فصائل: الدولة الإسلامية في العراق والشام، وجبهة النصرة لأهل الشام.

صراع عقائدي
وتتحدث الدراسة عن أن هذه الفصائل تنظر للصراع من الزاوية العقائدية والطائفية بدرجة أولى، وأن ما يجري هو صدام مع نظام نصيري طائفي، ومع الشيعة وإيران وحزب الله. وتتحدث هذه الفصائل لا بوصفها تعبر عن الشعب السوري وتطلعه إلى الحرية والديمقراطية، بل بوصفها تمثل المسلمين السنة في سوريا وخارجها.

كما ترى أن المعركة في سوريا جزء مكمل من المعركة في العراق مع إيران، والمعركة مع الولايات المتحدة والغرب، أو "معسكر الإسلام ومعسكر الكفر"، وفق خطاب هذه الجماعات.

الفصائل التي تتبنى أجندة القاعدة تنظر للصراع من الزاوية العقائدية والطائفية، وأن ما يجري هو صدام مع نظام نصيري طائفي، ومع الشيعة وإيران وحزب الله

وتلفت الدراسة إلى الاختلاف في التكتيك والأولويات بين الدولة وجبهة النصرة رغم التزامهما بأجندة القاعدة الرئيسية، فالجبهة كانت تبتعد عن الإعلان عن وجود القاعدة في سورية، ولم تقم بذلك إلا عندما أعلن أمير دولة العراق والشام أبو عمر البغدادي ذلك، حيث كانت تركز على الصراع المحلي والمعركة المباشرة مع نظام الأسد، كما أنها تتعاون مع الفصائل المسلحة الأخرى في العمل المسلح.

الأجندة الرابعة التي تعرض لها الدراسة هي "المشيخية أو الصوفية"، حيث ترى بأنه وبالرغم من ضعف دور الجماعات الصوفية في العمل المسلّح وضبابيته، وانقسامها في الموقف من الثورة والاحتجاجات عموما، فإنه لا توجد أحزاب أو قوى سياسية وعسكرية تقدم تعريفا واضحا لأجندات هذه الجماعات وتصوراتها الأيديولوجية للنظام السياسي المنشود.

وتفصل الدراسة في مواقف أبرز الاتجاهات الصوفية، ما بين تيار "القبيسيات" اللواتي يلتزمن الصمت تجاه الموقف مما يحدث، و"جماعة زيد" التي يديرها أبناء الشيخ عبد الكريم الرفاعي والتي تؤيد الثورة وتدعمها، وصولا للمؤسسة الدينية الرسمية التي تتحالف مع النظام السوري والدفاع عن شرعيته.

التيار الخامس الذي تفصل فيه الدراسة هو ما صنفته بتيار "الإسلاميين الديمقراطيين"، الذي تشترك فيه جماعات وتيارات إسلامية أخرى مع جماعة الإخوان المسلمين تعلن قبولها بالديمقراطية والتعددية السياسية وتداول السلطة، وتكريس مبدأ المواطنة، مثل: التيار الوطني السوري، وبدرجة قريبة من ذلك حركة العدالة والبناء، وإن كانت أقل وضوحا في أدبياتها من التيار الوطني في هذا الإعلان.

الدراسة أشارت إلى حضور وتوسع التيارات السلفية في المشهد السوري (الجزيرة)

الدعم والنفوذ
وفصل الباحث في الدعم والنفوذ الذي تتلقاه هذه الفصائل، بين الدعم التركي القطري للفصائل الإسلامية في شمال سوريا، إلى الدعم السعودي الأردني للفصائل في الجنوب.

وحاول الباحث أبو رمان في الفصول الأخيرة من دراسته التعرض للعلاقة بين التدين والمجتمع ومستقبل هذه الجماعات سياسيا.

على الصعيد الاجتماعي، يشير أبو رمان إلى انتعاش وحضور وتوسع التيارات السلفية في المشهد السوري، لكنه يفسر ذلك بطبيعة الصراع المسلح والظروف الاستثنائية للثورة السورية وانطلاقها من الأرياف والأطراف باتجاه المدن، وطبيعة "التمويل الأجنبي".

وتبين الدراسة أن نمط التدين المفتوح المعتدل الوسطي هو الذي يميز المدن الشامية تاريخيا، وأن ذلك ينعكس في الاتجاهات الصوفية والإخوانية ودور علماء الدين والشيوخ الذين يصرون على الهوية الإسلامية لكن بصورتها الفضفاضة العامة.

وتوضح أيضا النمط "السلفي الشامي" الإصلاحي الذي كان يسود منذ بدايات القرن العشرين قبل ظهور الصراع مع القوميين والبعثيين في الستينيات، إذ ظلت "سلفية منفتحة على التيارات الأخرى"، وكانت القيادات الدينية لجمعيات مثل "التمدن" و"الغراء" لها حضورها المجتمعي والسياسي وشاركت في الحياة العامة بفعالية في أوقات معينة.

ينبه الباحث لاحتمال أن تتعزز حالة الصدام والصراع بين التيارات الإسلامية على وقع الخلافات الأيديولوجية والفكرية، خاصة ما يتعلق بإدارة المناطق المحررة

تلاشي الأفق السياسي
أمّا السلفية الجهادية، فيرى أنها تزدهر وتقوى في فترات الصراع والحروب، وفي أتون الصراعات الطائفية والدينية والمذهبية، لكن عندما يتلاشى الأفق السياسي -كما حدث في العراق وسوريا- وينتقل الحديث إلى أجندتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، يبقى هذا الاتجاه يعاني مع المجتمع.

على الصعيد السياسي، يرى الباحث أن استمرار الصراع المسلّح لفترة طويلة سيبقي الحضور السلفي فاعلا ورئيسا، لكن مع مرور الوقت تجتهد جماعة الإخوان في ترميم مؤسساتها وحضورها المدني والعسكري في المناطق المختلفة، وتستعيد الحركات الصوفية جزءا من فعاليتها مع تأقلمها مع الظروف الطارئة الجديدة، بخاصة في المدن الرئيسة.

وينبه إلى احتمال أن تتعزز حالة الصدام والصراع بين التيارات الإسلامية على وقع الخلافات الأيديولوجية والفكرية، وخاصة ما يتعلق بإدارة المناطق المحررة، وهو الصراع الذي بدأت إرهاصاته وملامحه بين الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام من جهة، وقوى أخرى من جهة ثانية، وفي حال تطوّرت قدرات القاعدة بدرجة أكبر وبدأت تهدد المناطق الإقليمية المجاورة، فهذا سيعزز دور الأجندات الدولية في مواجهتها عبر دعم الفصائل السنية الأخرى.

المصدر : الجزيرة