أحمد دعدوش
هكذا صرخ العقل الباطن لطفلة في غوطة دمشق، عندما فتحت عينيها في مستشفى ميداني وسط عشرات القتلى لتتلقى العلاج من غاز السارين، فكان أول ما نطق به لسانها قبل أن يصحو عقلها "أنا عايشة"، ضاربة بسؤالها ضمير الإنسانية الذي لا يكف عن طرح الكثير من الأسئلة.

يقول الطبيب كرم الذي أشرف على علاج يمنى، إنها لم تكن واعية لما يجري، بل لم تستعد وعيها إلا بعد يوم كامل من الصدمة. وكان الطبيب الشاب قد ظهر إلى جانب الطفلة في تسجيل تناقلته شاشات العالم وهو يهدئ من روعها، ليزداد صراخها متسائلة عما إذا كانت "عايشة" أم في الجنة.

ولعل أول الأسئلة التي تستفز وعي المشاهد لهذه الدراما "اللاواعية" هو: ما الذي ألقى في روع طفلة بهذا العمر جدلية الحياة والموت على هذا النحو الصارخ، حيث لا يفصل بينهما إلا خيط رفيع؟ وكأن يمنى باتت ليلتها تلك وهي تترقب لحظة الوداع في منطقة تعاني الحصار والقصف بلا انقطاع منذ شهور، لتصحو على أمل بالجنة.

يستبعد الطبيب أن تتذكر يمنى تلك الحادثة التي لم تشهدها بعقلها الواعي، لكن وعي العالم كان شاهدا بالفعل، وما زال يشهد حتى اللحظة مشاهد قتل لا تقل فظاعة في مناطق عدة بسوريا، فما الذي يجعل المجتمع الدولي يقف عند السلاح الكيميائي فقط بينما لا تستفزه مشاهد الجثث المدماة تحت الركام؟

video

القتل النظيف
يقول مدون سوري ساخر إنه يفضل الموت اختناقا بالغاز على القتل بقذائف الطائرات والصواريخ، فالسلاح الكيميائي يقدم مشهدا استثنائيا للموت أمام الكاميرا ببطء، حيث لا يتطلب الأمر إلا قليلا من الارتجاف والزبد قبل أن يسلم الروح بسلام كما يغمض النائم عينيه، بينما تعتذر الكثير من وسائل الإعلام عن عرض مشاهد يغرق فيها الضحايا ببركة من الدم، خشية إزعاج المشاهدين.

لكن أطفالا آخرين يلقون حتفهم في الغوطة بطرق أخرى، فالحصار الذي يمنع دخول الطعام والماء والدواء والوقود منذ شهور كفيل بالقضاء على الحياة بطرق أكثر بطئا، جوعا أو مرضا، وقد فقدت بلدة المعضمية قبل أيام طفلين أنهكهما الهزال حتى فارقا الحياة.

مع ذلك كله، يتحدى من بقي في المعضمية ظروفهم ويصرون على متابعة حياتهم بما توفر لديهم من مقوماتها، إذ تتحدث إحدى الناشطات من داخل البلدة المحاصرة عن أنشطة اجتماعية تقدمها مجموعة تطلق على نفسها اسم "رؤية"، تتنوع بين الإغاثة والتعليم ورعاية ذوي الضحايا، بل تقيم حفلات ترفيهية للأطفال كي تعيد إليهم براءة الطفولة المسلوبة.

لزيارة صفحة الثورة السورية اضغط هنا

حسابات السياسة
وتتساءل الناشطة أيضا كيف أمكن للنظام فرض حصار أكثر قسوة من المفروض على قطاع غزة، حسب قولها. إذ ما زالت آلاف العائلات تصر على البقاء في أرضها بينما يتجدد القصف المدفعي والصاروخي والجوي يوميا ليحصد أرواح من نجا من الجوع والمرض والغازات الخانقة.

قد لا يجاب على هذه الأسئلة في أروقة السياسة المشغولة بحساباتها، ولعل هذه الحسابات هي التي دفعت بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للخروج عن صمته الأربعاء الماضي، عندما ذكّر قادة العالم بأنهم تعهدوا يوما ما بالتحرك لمنع تكرار جرائم الإبادة في رواندا والبوسنة خلال التسعينيات، مضيفا "ولكن كما نرى من حولنا، فإن الفظائع لا تزال ترتكب".

المصدر : الجزيرة