مشرف الجنرال الذي حكم باكستان بانقلاب ثم انتهى به المطاف متهما أمام القضاء ( الأوروبية)
عرفت فترة حكم الجنرال برويز مشرف (1999-2008) بأنها من أكثر الفترات قلقا، سياسيا وعسكريا، في تاريخ باكستان. فقد فتحت سياسته المرتكزة إلى قوة المؤسسة العسكرية جبهات صراع سياسي مع الأحزاب، وجبهات قتال مع المعارضة المسلحة خصوصا في إقليم وزيرستان.

فقد قفز الجنرال مشرف، الذي كان قائدا للجيش الباكستاني، إلى سدة الحكم بانقلاب عسكري على حكومة نواز شريف المنتخبة عام 1999، بسبب خلاف بين الرجلين حول معركة كارغيل التي نشبت بين الهند وباكستان على قمم جبال الهيمالايا، بسبب القضية الكشميرية.

وأعاد مشرف بانقلابه مؤسسة الجيش إلى الحكم من جديد بعد غياب زاد عن عشر سنوات، منذ مقتل الجنرال ضياء الحق عام 1988، واستئناف الحياة الديمقراطية بأول انتخابات بعد غياب ضياء الحق، وتداول السلطة في انتخابات متعاقبة، لم يطعن في أي منها.

ولد مشرف عام 1943 في مدينة نيودلهي التي صارت عاصمة للهند بعد انفصال باكستان، ثم هاجرت أسرته إلى باكستان حيث تلقى تعليمه الأولي في كراتشي. وتعرف هذه الفئة من المجتمع الباكستاني بالمهاجرين.

في العام 1964 التحق بالجيش وتدرج في مناصبه المختلفة حتى تقلد منصب قائد الجيش عام 1998. وخاض حربين ضد الهند، أولاهما عام 1965 في ولاية البنجاب وتلقى وسام الشجاعة، كما خاض الحرب الثانية عام 1971 ضد بنغلاديش التي كانت تعرف بباكستان الشرقية، قبل أن تنفصل لتصبح "بنغلاديش".

قاد مشرف انقلابا ضد نواز شريف عام 1999 بعد خلاف بينهما، على خلفية اتهام الأخير له بمحاولة إسقاط الطائرة التي كانت تقله قادما من سريلانكا. ثم عين نفسه عام 2001 رئيسا لباكستان، بعد استفتاء شعبي إثر اتهام المعارضة السياسية له بفقدان الشرعية لتمثيل باكستان في لقاء القمة مع الهند.
 
 نواز شريف عاد إلى الحكم بعد غياب 14 عاما عن السلطة بعد انقلاب مشرف عليه (الفرنسية)
التحالف مع واشنطن
ومع بدء الحرب الأميركية على تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان، وافق مشرف على مطالب واشنطن باستخدام الأراضي الباكستانية لضرب حركة طالبان التي رفضت تسليم بن لادن بعد اتهام أميركا له بتفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر/أيلول 2001، فكان مشرف أحد أهم حلفاء أميركا في حربها على ما تسميه "الإرهاب" في أفغانستان.

وأدى دعم مشرف للحرب الأميركية على أفغانستان إلى تحالف ستة أحزاب إسلامية باكستانية في حزب واحد معارض باسم مجلس العمل الموحد. وفي العام 2002 أعيد انتخاب مشرف لولاية ثانية مدتها خمس سنوات في استفتاء شعبي.

وتوصلت الهند وباكستان عام 2003 إلى اتفاق وقف المناوشات، وهو أول وقف للنار كامل ورسمي بين البلدين منذ العام 1989، ويأتي توقيع الهدنة بين جيشي البلدين بمبادرة من مشرف.
 
وفي ديسمبر/كانون الأول 2003 أقر البرلمان الباكستاني تعديلات دستورية تمنح مشرف صلاحيات واسعة، بما في ذلك سلطة إقالة الحكومة المنتخبة، وفقا لاتفاق كان قد وقعه مشرف مع أحزاب المعارضة الإسلامية، يتخلى بموجبه عن قيادة الجيش مع نهاية العام 2004، مقابل تمرير التعديلات. ولكنه لم ينفذ الاتفاق.

الصدام مع الأحزاب
أثار مشرف الرأي العام خاصة الحركات الإسلامية ضده عندما أقال مهندس القنبلة النووية الباكستانية عبد القدير خان من مهامه عام 2004، واتهم بتسريب البرنامج النووي لدول أجنبية، ثم فرضت عليه إقامة جبرية لفترة طويلة.

ثم عاد مشرف لإثارة غضب الشارع الباكستاني مرة ثانية عندما صافح رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على هامش القمة العالمية للأمم المتحدة في 14 سبتمبر/أيلول 2005، وهو أول رئيس باكستاني يصافح مسؤولا إسرائيليا.

أثارت سياسات برويز مشرف غضب التيارات الإسلامية، وبدأ الصدام بين الطرفين في أكثر من موقع، فقد نفذت القوات العسكرية عملية ااقتحام للمسجد الأحمر سميت "عملية السكوت"، وانتهت أزمة المسجد التي استمرت أسبوعا عام 2007.

كما شكلت إقالة مشرف رئيس المحكمة العليا في إسلام آباد افتخار تشودري في مارس/آذار 2007، أزمة سياسية جديدة ضده، انتهت بقرار من المحكمة نفسها بإعادة تشودري لمنصبه وإسقاط كل التهم الموجهة ضده من الحكومة في يوليو/تموز من نفس العام.

وفي سبتمبر/أيلول من نفس العام عدلت اللجنة الانتخابية في باكستان قانون الانتخابات بحيث يسمح لمشرف بالترشح لمنصب رئاسة الجمهورية مع الاحتفاظ بمنصبه قائدا للجيش, فيما عدته المعارضة "خرقا فاضحا" للدستور.

ثم في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2007 الساخن، قدم 85 نائبا باكستانيا من المعارضة استقالتهم من البرلمان احتجاجا على قبول اللجنة الانتخابية أوراق ترشح مشرف لدورة رئاسية جديدة.

وتحت ضغط الشارع والمعارضة ووقع مشرف أمرا بالعفو وصف بالتاريخي عن عدد من السياسيين، بينهم زعيمة حزب الشعب الباكستاني بينظير بوتو التي كانت في المنفى في أبوظبي.

وفي انتخابات الرئاسة في 6 أكتوبر/تشرين الأول أعلنت اللجنة الانتخابية فوز مشرف بأغلبية كاسحة. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني فرض مشرف حالة الطوارئ في البلاد، وأصدر منتصف الشهر قرارا بحل البرلمان.
 بوتو عادت من المنفى لتلاقي مصيرها بالاغتيال في وطنها (رويترز)
الاستقالة والمنفى
وتحت ضغط الشارع والقوى السياسية التي توحدت ضد حكم مشرف أعلن استقالته من رئاسة باكستان في 18 أغسطس/آب 2008، منهيا بذلك فصلا من المواجهة مع الائتلاف الحاكم الذي طالب بعزله، وتحت تهديد اتهامه بالتقصير في عمله من قبل برلمان انتخب حديثا آنذاك، وكان يهيمن عليه خصومه.

اختار مشرف بعدها الإقامة في المنفى بين لندن ودبي لأربعة أعوام من العام 2009 إلى مارس/آذار 2013 حين قرر بعدها العودة إلى بلاده، رغم التهديد بتوقيفه ومحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وتهمة اغتيال رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو أثناء قيامها بحملتها الانتخابية عام 2007.

وتقدم مشرف فور عودته بطلب ترشحه للانتخابات، إلا أن المحكمة العليا رفضت طلبه، وقضت بحرمانه من الترشح لأي انتخابات مدى الحياة، وهذه هي أول مرة أن تصدر محكمة في باكستان حكما على مواطن بأنه غير مؤهل للمنافسة في الانتخابات مدى الحياة.

ويواجه مشرف محاكمة أمام محكمة مكافحة الإرهاب بعدة تهم، منها تهمة اغتيال بينظير بوتو، والتورط في اغتيال الزعيم البلوشي المطالب باستقلال إقليم بلوشستان أكبر بوغتي عام 2006، وتهمة إقالة قضاة أثناء فترة رئاسته.

وفيما يواجه برويز مشرف تهما من الوزن الثقيل بعد 15 عاما من تقلده السلطة بعد الانقلاب على حكومة نواز شريف المنتخبة، عاد شريف إلى سدة الحكم عبر صناديق الاقتراع، بعد أن قضى سنوات طويلة في المنفى.

المصدر : الجزيرة