جولات للجماعات اليهودية في ساحات الحرم والأقصى (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

شكلت اقتحامات الجماعات الاستيطانية للمسجد الأقصى في العقد الأخير، والتي غالبا ما كانت  تتم تحت غطاء من السرية والتعتيم الإعلامي، رافعة حولت مفهوم الاقتحام والتدنيس للأقصى إلى ثقافة في عقلية المجتمع الإسرائيلي بمختلف تياراته الدينية والسياسية، التي شرعت بشكل فعلي في تقسيم الأقصى وفرض وجود يهودي يومي بساحاته، تمهيدا لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى وقبة الصخرة.

وتحولت الأعياد اليهودية إلى آليات تنفيذية للاستيطان والتهويد بذريعة فرض الوجود الإسرائيلي بالأقصى الذي يشهد تصعيدا غير مسبوق، ولأول مرة منذ احتلال القدس عام 1967 حجب المسلمون عن المسجد الأقصى في هذه الأيام وخصصت ساحات لليهود، وذلك بفرض قيود على فلسطينيي 48 وأهالي القدس المحتلة تحول دون صلاة المسلمين بالأقصى خلال وجود الجماعات اليهودية التي تؤدي الشعائر التلمودية.

واختارت أذرع الاحتلال وأمنه حجب المصلين من القدس وفلسطينيي 48 عن الحرم القدسي والأقصى بمنعهم حتى من التوافد على أسواق البلدة القديمة المؤدية للأقصى، وذلك تحت ذريعة منع المواجهات والصدام خلال الأعياد اليهودية، لتمنع المسلمين من دخول الأقصى للصلاة بشكل جماعي، واقتصر ذلك على كبار السن.

ووظفت المؤسسة الإسرائيلية كل جهودها لفتح بوابات ساحات الحرم لليهود يومي الجمعة والسبت في ما يسمي "يوم الغفران"، وكذلك على مدار الأسبوع القادم في ما يسمى عيد "العرش العبري" الذي سيتواصل حتى 26 من الشهر الجاري، وسيُتوَّج بحجٍّ لليهود إلى الأقصى والقدس من خلال "مسيرة الحجيج المقدس إلى القدس"، ومسيرة تحمل العرش والمظلات المتنقلة تنطلق من جميع المناطق ترفع شعار "نلتقي جميعا في طريقنا إلى القدس".

وتتطلع إسرائيل للإعلان عن "القدس الكبرى" عاصمة عالمية للشعب اليهودي، وذلك بما ينسجم مع مخططات الجماعات اليهودية الداعية لبناء الهيكل المزعوم مع إطلاق دعوات لبناء كنيس قبالة المصلى المرواني لتثبيت الوجود اليومي لليهود في منطقة جبل الهيكل، حيث يعتمد جوهر المخطط على هدم قبة الصخرة والمسجد الأقصى والقصور الأموية وأسوار الحرم لبناء المعبد والهيكل ليمتد حتى مشارف جبل الطور. 

قوات الاحتلال تستنفر قبالة الطرقات المؤدية لبوابات الأقصى (الجزيرة نت)

ضخ وتجفيف
ويرى مدير المسجد الأقصى ورئيس قسم المخطوطات بالمسجد الدكتور ناجح بكيرات أن المؤسسة الإسرائيلية أيقنت وبعد 45 عاما من احتلال القدس بأنها رغم التزييف والتهويد والاستيطان وسلب العقارات والتضييق على المقدسات الإسلامية والمسيحية، أخفقت في السيطرة على المدينة ومقدساتها التي بقيت تخفق وتنبض بالحياة بسبب رباط الفلسطينيين وصمودهم؛ وعليه تتطلع لتجفيف المنابع البشرية عن القدس والأقصى وضخ اليهود سعيا لتحقيق مخطط "القدس الكبرى" عاصمة للشعب اليهودي.

وقال الدكتور بكيرات في حديثه للجزيرة نت، إن إسرائيل تحارب الوجود العربي والإسلامي بالقدس، من خلال المقدسات والتاريخ والحضارة والجذور البشرية. إذ تسعى عبر فرض الكنس والمدارس التلمودية والبؤر الاستيطانية والزج بالجماعات اليهودية للبلدة القديمة ونقل نماذج التهويد إلى تزييف هوية الأقصى على حساب الوجود العربي والإسلامي، وحمى فتاوى الحاخامات التي تدعو لبناء الهيكل المزعوم وتحويل القدس لمدينة يهودية مقدسة يحج إليها اليهود من جميع أنحاء العالم. 

وأوضح بكيرات أن أذرع الأمن والشرطة تحولت لذراع القوة التنفيذية لهذه المخططات، حيث أتى موقف القائد العام للشرطة الإسرائيلية الضابط يوحنان دانينوا الذي يرى في وجود اليهود في الأقصى حقا لهم، على اعتبار أنه جزء مما أسماه "جبل الهيكل"، لينسجم مع الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية والجماعات اليهودية، وعليه يتعهد الضابط دانينوا بضمان الأوقات المخصصة وتوفير الحماية لكل يهودي يريد الصلاة في ساحات الحرم.

وهذا ما دعا إليه -يؤكد بكيرات- رئيس مجلس الأمن القومي سابقا جنرال الاحتياط بالجيش الإسرائيلي عوزي ديان بتوجيه الرحلات المدرسية للطلاب اليهود وعلى مدار العام إلى المسجد الأقصى، وتقسميه عبر ترتيبات أمنية تفرض وجودا دائما لليهود أسوة بالحرم الإبراهيمي. 

قيود الاحتلال بالأقصى طالت النساء من القدس والداخل الفلسطيني (الجزيرة نت)

ربيع وخريف
من جانبه، يرى نائب رئيس الحركة الإسلامية بالداخل الفلسطيني الشيخ كمال خطيب أن ما يجري الآن في القدس هو تطبيق فعلي لتقسيم زماني لساحات الحرم والأقصى.

وأضاف أن ما كان يردد سابقا في أروقة المؤسسة الإسرائيلية بشكل غير رسمي، تحول لحقيقة ماثلة في وجود يومي لليهود بالأقصى وحجبه عن المسلمين وتقييد دخول الفلسطينيين والمقدسيين، مقابل ذلك ففي الأعياد اليهودية يمنع المسلمون من دخوله بتاتا مع فتح بواباته وتخصيص ساحاته لليهود لإقامة الشعائر التلمودية والصلوات التوراتية. 

وحذر الشيخ خطيب في حديثه للجزيرة نت، من تمادي الاحتلال في مخططاته التي تهدد الوجود العربي والإسلامي بالقدس، لافتا إلى أن دعوات الجماعات الاستيطانية للحج الأكبر لليهود من البلاد وجميع أنحاء العالم إلى الأقصى وساحاته خلال عيد "العرش العبري"، تعبر عن صراع قوى وإرادات وتحديات بات يواجهها أهالي الداخل الفلسطيني والقدس لوحدهم بينما السياسيون بالعالم العربي والإسلامي كل منشغل بهمومه وسبل الحفاظ على كرسيه والحكم. 

وأوضح أن الجانب الإسرائيلي أحسن استغلال الواقع العربي المضطرب ليواصل خطواته نحو تحقيق أحلامه بالقدس والأقصى، "لكن الاحتلال يعتقد خاطئا بأن تحويل فكرة الهيكل المزعوم إلى معبد يحج إليه اليهود من جميع أنحاء العالم وإقامة الدولة اليهودية الدينية سيكون الكفيل بالقضاء على المشروع الإسلامي بالمنطقة".

المصدر : الجزيرة